غزة تستعد لشتاء قاسٍ.. آلاف النازحين بلا مأوى آمن وسط نقص حاد في الإغاثة

مع اقتراب فصل الشتاء، تتعمق أزمة المأوى في قطاع غزة بصورة غير مسبوقة، حيث تكشف بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” عن واقع إنساني يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. فبعد عامين من الحرب الإسرائيلية التي دمرت آلاف المنازل والبنية التحتية الأساسية، ما تزال عشرات الآلاف من العائلات المشرّدة تكافح للبقاء على قيد الحياة في ظل شح المساعدات وغياب حلول مستدامة. وتشير الوكالة إلى أن النازحين يعتمدون على خيام بدائية لا توفر الحد الأدنى من الحماية أمام الأمطار أو الرياح، في وقت تتعرض فيه مناطق عديدة لعواصف ومنخفضات جوية تُغرق الخيام وتدمر ما تبقى من ممتلكات بسيطة. ومع استمرار القيود المفروضة على دخول مواد الإيواء، يتقلص هامش التدخل الإنساني إلى حدّه الأدنى، ما يجعل الشتاء المقبل تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف الأسر. هذا الواقع يدفع بالمؤسسات الأممية إلى رفع نبرة التحذير، مؤكدين أن الوضع قد يتحول إلى كارثة واسعة إذا لم يتدخل المجتمع الدولي بصورة عاجلة وفعّالة.
أزمة مأوى تتفاقم مع دخول الشتاء
تؤكد وكالة “الأونروا” أن آلاف النازحين في قطاع غزة يواجهون موجة جديدة من المعاناة مع اقتراب فصل الشتاء، حيث ما يزالون عاجزين عن العثور على مأوى يوفر الحد الأدنى من الحماية. فمع استمرار تدمير البنية السكنية وتراجع القدرة على إدخال مواد الإغاثة، لا يجد معظم النازحين سوى الخيام البدائية المصنوعة من قطع بلاستيكية بسيطة، والتي لا تتحمل الأمطار أو الرياح القوية. ويعيش أكثر من 79 ألف نازح داخل 85 مركزًا للإيواء تديرها الوكالة، إلا أن هذه المراكز نفسها تعاني اكتظاظًا شديدًا ونقصًا في الخدمات الأساسية، مما يجعلها غير قادرة على استيعاب أعداد جديدة. وتظهر شهادات عدة أن العائلات تضطر للنوم في خيام شبه مكشوفة، بينما تتقاسم بعض الأسر خيمة واحدة بسبب النقص الحاد في مواد الإيواء، الأمر الذي يفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق ويزيد هشاشة حياة النازحين مع كل يوم يقترب فيه الشتاء أكثر.
تحذيرات أممية من فيضانات وملاجئ مهددة
حذّر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، من أنّ تدهور الأحوال الجوية قد يؤدي إلى كارثة واسعة في مخيمات النزوح، خصوصًا في ظل هشاشة الملاجئ القائمة التي جرى نصب معظمها دون تجهيزات مناسبة لمواجهة الأمطار أو الرياح. وأوضح دوجاريك أن القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية تعرقل عمليات توزيع مواد الإيواء، وتمنع وصول معدات ضرورية لترميم الملاجئ أو إنشاء وحدات سكنية مؤقتة أكثر صمودًا. وشهد القطاع خلال اليومين الماضيين غرق عشرات الخيام في منطقة المواصي بخان يونس نتيجة المنخفض الجوي المصحوب بأمطار غزيرة، وهو ما يكشف عن مدى خطورة الوضع ويفتح الباب أمام احتمال تكرار المشهد في مناطق أخرى. وتخشى الأمم المتحدة أن يؤدي استمرار سوء الطقس، مع ضعف الاستجابة الإغاثية، إلى تفاقم أوضاع مئات الآلاف من السكان الذين يواجهون خطر الفيضانات والانكشاف الكامل أمام العواصف في ظل غياب أي حماية حقيقية.
احتياجات متصاعدة وبنية شبه منهارة
تشير التقديرات الأممية إلى أن قطاع غزة يحتاج إلى نحو 300 ألف خيمة ووحدة سكنية مسبقة الصنع لتغطية الاحتياجات الأساسية للنازحين الذين فقدوا منازلهم خلال عامين من الحرب، وهو رقم يكشف حجم الدمار واتساع الهوة بين المتوفر والمطلوب. وتواجه منظمات الإغاثة تحديات حادة، منها نقص التمويل وصعوبة إدخال مواد البناء وألواح العزل والخشب والقماش المقاوم للمطر، ما يجعل معظم التدخلات الحالية غير كافية لمواجهة التوسع المستمر في أعداد المشردين. ويشير خبراء إنسانيون إلى أن غياب خطة شاملة لإعادة الإعمار وغياب الممرات الإنسانية الآمنة يسهمان في إبقاء آلاف العائلات في خيام مؤقتة لا توفر الحماية من البرد أو الفيضانات. وتزداد المخاوف مع اقتراب الشتاء من أن يؤدي تكرار العواصف إلى انهيار مزيد من الخيام وتدهور الظروف الصحية، ما قد يتسبب في تفشي الأمراض وانتشار حالات خطيرة بين الأطفال والمسنين الذين يواجهون واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في غزة.
سياقات أوسع وأزمة مفتوحة
تُظهر التطورات الميدانية في غزة أن أزمة المأوى لم تعد مجرد نتيجة مباشرة للحرب، بل باتت أحد أبرز ملامح الانهيار الإنساني الشامل الذي يعيشه القطاع. فمع تزايد أعداد النازحين، وتراجع المساعدات، وتفاقم القيود التي تعيق دخول مواد الإغاثة، تتسع الفجوة بين الاحتياجات وقدرة المؤسسات الإنسانية على التدخل. وتترافق هذه التحديات مع ظروف مناخية قاسية تهدد بإغراق الخيام وقطع الطرق وتعطيل إيصال الإمدادات المحدودة أصلًا، مما يجعل حياة آلاف العائلات عرضة لخطر مباشر. وفي ظل غياب أي مسارات واضحة لإعادة الإعمار أو توفير حلول سكنية مستدامة، تبدو محنة النازحين مرشحة للتصاعد، ما يفرض على المجتمع الدولي إعادة تقييم مقاربته للأزمة، وإقرار تدخلات عاجلة تمنع تحول الشتاء إلى فصل جديد من الكارثة.



