واشنطن تحت الضغط: تداعيات هجوم الحرس الوطني تتجاوز الأمن إلى قلب السياسة الأمريكية

يأتي الهجوم المسلح الذي استهدف عنصرين من الحرس الوطني في العاصمة واشنطن ليحول حادثًا جنائيًا إلى نقطة اشتعال سياسية كبرى، تعيد رسم ملامح الجدل حول سياسة الهجرة والأمن القومي وإرث الحرب الأمريكية في أفغانستان. فالمشتبه به، رحمن الله لاكانوال، ليس مجرد مهاجر أفغاني وصل ضمن برنامج إنساني، بل متعاون سابق مع وحدات مرتبطة بوكالة الاستخبارات المركزية، وهو ما يضع المؤسسات الفيدرالية في زاوية محرجة ويثير مخاوف عميقة بشأن كفاءة عمليات التدقيق الأمني التي رافقت عمليات الإجلاء من كابول عام 2021. وتتعاظم تلك المخاوف مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، إذ يسارع خصوم إدارة بايدن وفي مقدمتهم الرئيس دونالد ترامب إلى استثمار الحادث لإعادة فتح ملف الهجرة، وفرض تشدد جديد تجاه اللاجئين الأفغان. إنّ هذا الهجوم يلقي بظلال ثقيلة على العاصمة، ويثير تساؤلات حول المستقبل الأمني والسياسي للولايات المتحدة في لحظة شديدة الحساسية.
هوية المشتبه به ومسار الوصول
تكشف تفاصيل التحقيقات بشأن المشتبه به رحمن الله لاكانوال، البالغ من العمر 29 عامًا، عن طبقات متعددة من التعقيد السياسي والأمني. فالرجل لم يدخل الولايات المتحدة بطرق غير شرعية، بل وصل في سبتمبر 2021 ضمن برنامج Operation Allies Welcome الذي خُصص لاستقبال المتعاونين الأفغان مع القوات الأمريكية بعد انسحابها من كابول. وفي أبريل 2025 منحت السلطات الفيدرالية له حق اللجوء السياسي، باعتباره أحد العاملين سابقًا ضمن وحدات محلية مدعومة من الـCIA في قندهار، وتحديدًا ضمن ما يعرف بـ”الوحدات صفر” المتخصصة في مكافحة الإرهاب. هذا التفصيل أثار عاصفة سياسية، لأن الربط بين تعاون سابق مع واشنطن وتنفيذ هجوم مسلح ضد عناصر أمريكيين، يطرح أسئلة مؤلمة حول الثغرات المحتملة في عمليات الفحص الأمني خلال مرحلة الفوضى التي صاحبت الانسحاب من أفغانستان. ومع تصاعد الجدل، يجد برنامج استقبال الأفغان نفسه مجددًا في قلب معركة سياسية تتجاوز حدود الأمن القومي.
تفاصيل الهجوم والصورة الميدانية
المشهد الدموي الذي وقع في واشنطن حمل تفاصيل صادمة، خصوصًا أن الضحيتين سارة بيكستروم، 20 عامًا، وأندرو وولف، 24 عامًا، كانا قد انضما إلى الحرس الوطني قبل أقل من يوم واحد من الهجوم. وتشير المعلومات الطبية إلى أن إصابات بيكستروم بالغة وترجح وفاتها. وقد استخدم المشتبه به مسدسًا من طراز .357 Smith & Wesson، فيما أظهرت التحقيقات أنه تعمّد استهداف الضابطين بشكل مباشر؛ إذ أطلق النار على الأولى مرتين قبل أن يتجه نحو الثاني في محاولة واضحة للقتل. وتمكن عناصر آخرون من السيطرة عليه بعد تبادل قصير. والأخطر أن التحقيقات كشفت قيامه بقيادة سيارته من ولاية واشنطن إلى العاصمة خصيصًا لتنفيذ الهجوم، وهو ما يعزز فرضية التخطيط المسبق ويرفع مستوى القلق بشأن احتمال وجود شبكات أوسع أو دوافع أعمق تتجاوز مجرد حادث فردي.
التحقيقات الفيدرالية واحتمالات الإرهاب
تعاملت السلطات الفيدرالية مع الحادث على مستوى عالٍ من الخطورة منذ اللحظة الأولى، إذ أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل أن الهجوم يُنظر إليه رسميًا كـ”عمل إرهابي”، ما فتح الباب أمام سلسلة مداهمات شملت ولايتي واشنطن ستيت وسان دييغو، بهدف تفكيك أي شبكات محتملة قد تكون على صلة بالمشتبه به. وتشمل التحقيقات فحص علاقاته السابقة في أفغانستان، والجهات التي تواصل معها بعد وصوله إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى تحليل اتصالاته خلال الفترة الأخيرة. ويشير هذا النهج إلى خشية حقيقية من احتمال وجود امتدادات دولية أو خيوط غير معلنة. ومع تصاعد التوتر، باتت الأجهزة الفيدرالية أمام اختبار جديد لطمأنة الرأي العام، وإثبات قدرتها على إدارة تهديدات داخلية قد تستغل ثغرات الهجرة أو حالة الاستقطاب السياسي المتزايد في البلاد.
تداعيات سياسية وتصعيد في ملف الهجرة
لم يتأخر الرئيس دونالد ترامب في استثمار الهجوم سياسيًا، مسلطًا الضوء على سياسة الهجرة التي اتبعتها إدارة بايدن، ومعلنًا ضرورة “إعادة فحص كل من دخل من أفغانستان خلال تلك الفترة”. وقد صاحب تصريحاته قرار رئاسي عاجل بنشر 500 عنصر إضافي من الحرس الوطني في العاصمة لاحتواء التوتر. وفي المقابل، تحركت مؤسسات فيدرالية عدة في اتجاه أكثر تشددًا، إذ أعلنت USCIS تعليق جميع طلبات الإقامة للأفغان، بينما كشف وزارة الأمن الداخلي DHS أنها بصدد مراجعة كل طلبات اللجوء التي أُقرت خلال عهد بايدن. كما تعيد USCIS فحص بطاقات الإقامة الدائمة الصادرة لمواطنين من دول مصنّفة سابقًا ضمن “الدول المثيرة للقلق”. هذه الإجراءات تؤشر إلى تحول كبير في سياسة الهجرة، قد يعيد صياغة العلاقة بين الأمن القومي والالتزامات الإنسانية، ويجعل ملف اللاجئين الأفغان محورًا للصراع السياسي في المرحلة المقبلة.
انعكاسات أوسع على الأمن القومي والهجرة
يأتي هذا الحادث ليطرح مجموعة من الأسئلة الحساسة حول مدى قدرة الولايات المتحدة على تحقيق توازن بين البعد الإنساني لبرامج اللجوء ومتطلبات الأمن القومي. فالتجربة الأفغانية عام 2021 لا تزال حاضرة في الذاكرة، والجدل حول كفاءة عمليات التدقيق الأمني بات أكثر حدة بعد ظهور مخاوف من احتمال تسلل عناصر تشكل تهديدًا مستقبليًا. كما يثير الهجوم مخاوف من أن يتحول تعاون آلاف الأفغان مع واشنطن أثناء الحرب إلى عبء سياسي يُستخدم كورقة ضغط داخلية. وتكتسب هذه التساؤلات أهمية مضاعفة في ظل اقتراب الانتخابات الداخلية، وتصاعد الخطاب السياسي المتشدد تجاه اللاجئين. وإذا استمرت تداعيات الهجوم في الاتساع، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مرحلة جديدة من السياسات الأمنية الأكثر صرامة، وهو ما سيعيد تشكيل بيئة الهجرة والنقاش العام حول مفهوم “الأمن القومي” في السنوات المقبلة.



