الاستحواذ الدنماركي الذي يغيّر مشهد مكافحة المسيّرات في أوروبا

يشكّل استحواذ شركة Terma الدنماركية على شركة OSL Technology البريطانية واحدة من أبرز التحولات في سوق مكافحة المسيّرات في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، في ظل بيئة أمنية تتغير بسرعة بفعل توسّع استخدام الطائرات بدون طيار لأغراض التجسس والهجمات منخفضة التكلفة. هذا الاندماج الذي يجمع الخبرة الدفاعية العسكرية مع القدرات التشغيلية المدنية، يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن حماية البنية التحتية لم تعد مسؤولية تقنيات معزولة أو شركات منفردة، بل منظومات متكاملة قادرة على الاستجابة الفورية للتهديدات. ومع تصاعد المخاطر في المجالين الجوي والرقمي، يأتي هذا الاستحواذ ليضع Terma في موقع متقدم داخل خريطة الدفاع الأوروبي، خصوصًا مع سعي الحكومات لتبني حلول جاهزة وقابلة للتشغيل السريع في المطارات ومحطات الطاقة والموانئ والمواقع الحساسة الأخرى. إنّ ما يحدث اليوم لا يمثل صفقة تجارية فقط، بل خطوة استراتيجية نحو بناء قدرات أوروبية مستقلة في مجال C-UAS.
أهمية الصفقة في توقيت متوتر
يأتي هذا الاستحواذ في لحظة تشهد فيها أوروبا قفزة كبيرة في حجم التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة، سواء تلك التي تُستخدم لأغراض استطلاعية أو لهجمات منخفضة التكلفة يصعب اكتشافها بوسائل الرصد التقليدية. وتبحث العواصم الأوروبية عن حلول متكاملة توفر كشفًا سريعًا وقدرة على التصنيف والتتبع والتشويش، مع إمكانية العمل داخل البيئات المدنية والعسكرية في آن واحد. تمتلك Terma خبرة عسكرية واسعة في الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة، بينما راكمت OSL خبرة تشغيلية في حماية المطارات الحساسة مثل Heathrow، ما يجعل الدمج بينهما خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة واحدة تعمل من “المستشعر إلى التأثير”. هذا التحول يمثل استجابة مباشرة لمتطلبات الدفاع الأوروبي، ويعزز قدرة الدول على مواجهة تحديات أمنية تتطور بسرعة تفوق منظومات الدفاع التقليدية.
مكاسب Terma من دمج الخبرة البريطانية
تستفيد Terma من خبرة OSL في تشغيل أنظمة حماية المطارات وإدارة الحوادث المتعلقة بتسلل المسيّرات، إلى جانب قدرتها على تصميم وحدات كشف متعددة المستشعرات تعمل في بيئات معقدة. هذه الخبرة المدنية المتقدمة تمنح Terma ميزة إضافية، إذ يمكن الآن تقديم حلول جاهزة للنشر الفوري في المطارات ومحطات الطاقة والبنية التحتية الحيوية، وليس فقط في الوحدات العسكرية. ويتيح ذلك للشركة أن تتحول إلى لاعب يربط بين القطاعين العسكري والمدني بفعالية، وهو الاتجاه الذي أصبح ضرورة داخل أوروبا. وبفضل هذا الدمج، تعزز Terma موقعها في سوق مكافحة المسيّرات وتقدم قيمة مضافة لجهود الدفاع الأوروبي في مواجهة تهديدات متنامية تستهدف البنية التحتية الحساسة.
منظومة دفاع جديدة: الهندسة الموحدة C-UAS
تؤكد Terma أن النظام الجديد سيأتي ضمن بنية موحدة تربط الرادارات والمستشعرات ووسائل التأثير والذكاء الاصطناعي ضمن لوحة عمليات واحدة. وتوفر هذه الهندسة القدرة على دمج أنظمة خارجية مثل مستشعرات التردد الراديوي وتقنيات التشويش والاعتراض، بما يخلق منصة مرنة قابلة للتكيف مع تحديات سريعة التبدّل. هذه المنظومة قادرة على تغطية المناطق الساحلية والجوية والبرية مع إمكانية النشر السريع في المواقع الحساسة، وهو ما يجعلها متوافقة مع برامج الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدرات C-UAS. ويعزز هذا التوجه مكانة Terma ضمن سياق أشمل يسعى فيه الدفاع الأوروبي إلى تطوير أنظمة ذات استقلالية تشغيلية تقلّل الاعتماد على الشركات الخارجية، خصوصًا الأمريكية والإسرائيلية، في قطاع يتوقع أن ينمو بنسبة تتراوح بين 17 و20% سنويًا حتى عام 2030.
دوائر الاستفادة في أوروبا
ينعكس هذا الاستحواذ مباشرة على القطاعات المدنية والعسكرية التي تبحث عن حلول سريعة وفعالة لتعزيز الأمن. فالمطارات ومحطات الطاقة ومنشآت الغاز والموانئ البحرية وشبكات الاتصالات تعد الأكثر حاجة إلى منظومات قادرة على كشف أي نشاط جوي منخفض المستوى. على الجانب العسكري، يوفر النظام الجديد إمكانات مهمة للدفاع الجوي قصير ومتوسط المدى وحماية القواعد والمراقبة الحدودية. وكلا الطرفين، المدني والعسكري، سيستفيد من بنية دفاعية موحّدة تقلل التكلفة التشغيلية وتسرع الاستجابة. ويمثل هذا الدمج خطوة تعزز قدرات البنية التحتية الأوروبية وتوسع حضور Terma في مجال مكافحة المسيّرات، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في مرحلة تتحول فيها منظومات الدفاع الأوروبي إلى نماذج أكثر مرونة واستقلالية.
مسار أوروبي جديد في أسواق الدفاع
يبدو أن هذه الصفقة وضعت حجر الأساس لمرحلة أوسع من التحولات داخل أوروبا، حيث تتجه الحكومات إلى الاستثمار في منظومات دفاع منخفضة التكلفة تستطيع مواجهة التهديدات الناشئة مثل المسيّرات التجارية المعدلة. وتعمل الدول الأوروبية على دعم الشركات المحلية لتقليل الاعتماد على الشركات غير الأوروبية في قطاع يتسارع نموه بشكل غير مسبوق. كما يشير هذا الاتجاه إلى رؤية استراتيجية تسعى فيها أوروبا لبناء قدرات محلية قادرة على مجاراة التطور السريع في تقنيات الطائرات بدون طيار وتأثيراتها على الأمن الإقليمي. وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، تزداد الحاجة إلى منظومات قادرة على حماية البنية التحتية والحدود، ما يجعل استحواذ Terma على OSL خطوة تتجاوز بعدها التجاري إلى إعادة تشكيل سوق مكافحة المسيّرات ضمن إطار أوسع من تحديث الدفاع الأوروبي.
أبعاد استراتيجية للمستقبل
يمثل الاستحواذ خطوة استراتيجية تعزز قدرة أوروبا على تطوير حلول C-UAS مستقلة وفعالة، تجمع بين الخبرة العسكرية والدراية المدنية في منصة واحدة. ومن المتوقع أن يفتح هذا الاندماج الباب أمام موجة جديدة من الاستثمارات الأوروبية في تقنيات الكشف والرصد والاعتراض، بما يوسع قدرة القارة على حماية أجوائها وبنيتها الحيوية في مواجهة التهديدات المتصاعدة للطائرات بدون طيار. وفي ظل المنافسة المتزايدة مع الشركات الأمريكية والإسرائيلية، يضع هذا التحالف Terma وOSL في موقع يسمح لهما بتشكيل لاعب أوروبي متقدم في مجالات الأمن الجوي والبنية التحتية والدفاع التقني، بما يعزز توازن القوى داخل سوق الدفاع العالمي.



