فايننشال تايمز: هل تُحقق الصين الفوز في سباق الابتكار العالمي؟

تشهد المنافسة التكنولوجية بين الصين والغرب تحولاً بنيوياً يعيد صياغة موازين القوة الاقتصادية والاستراتيجية عالمياً. فبعد أن كانت الصين تُعرف لعقود بأنها “مصنع العالم” المعتمد على العمالة منخفضة التكلفة واعتماد سلاسل التوريد الغربية، أصبحت اليوم مركزاً بحثياً عملاقاً يشكّل تهديداً مباشراً لتفوق الابتكار الأمريكي والأوروبي. ويعود هذا التحول إلى مزيج من الاستثمارات الضخمة في البحث والتطوير، وبناء منظومات صناعية مترابطة، وتوجيه مركزي دقيق من الحزب الشيوعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في التقنيات الحساسة. ومع اقتراب حجم إنفاقها على R&D من الولايات المتحدة، وتضاعف قدراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي، الطاقة النظيفة، المواد المتقدمة، والتصنيع عالي الدقة، تتزايد المخاوف من أن بكين قد تكون على أعتاب قيادة النظام التكنولوجي العالمي المقبل. وفي الوقت الذي تعاني فيه الولايات المتحدة من تراجع التمويل العلمي تحت إدارة ترامب، وتباطؤ البيروقراطية الأوروبية، تواصل الصين تسريع الابتكار بوتيرة لا يضاهيها أحد.
الصين تتحول من مصنع إلى مختبر عالمي
تعتمد الشركات الأجنبية العاملة في الصين على قدرات المهندسين والباحثين المحليين الذين يدفعون دورة الابتكار بسرعة غير مسبوقة. شركات مثل Volkswagen تمكّنت من تطوير تقنيات متقدمة للقيادة المساعدة خلال 18 شهراً فقط داخل الصين، مقارنة بما يتجاوز أربع سنوات في ألمانيا، ما يعكس الفارق في سرعة التطوير والتنفيذ. البيئة الصينية، التي تجمع بين موارد بشرية عالية المهارة وقدرة الدولة على توفير بيئة اختبار واسعة، حولت البلاد إلى مسرّع عالمي لتطبيق التكنولوجيا.
استراتيجية الدولة: الابتكار بوصفه وسيلة للاكتفاء الذاتي
تنسجم سياسة شي جين بينغ مع رؤية أعمق تقوم على بناء منظومة وطنية للابتكار موجهة نحو معالجة نقاط الضعف في الاقتصاد الحقيقي. وبدلاً من استثمارات “الأفكار الطموحة” التي يقودها وادي السيليكون، تركز الصين على تطوير مواد جديدة، بطاريات متقدمة، اتصالات الجيل الخامس، وتقنيات الطاقة، بهدف فك الارتباط عن التكنولوجيا الأجنبية. هذا التوجه جعلها على وشك تجاوز الولايات المتحدة في إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير، ما يربط الابتكار مباشرة بالأمن القومي.
القوة البشرية: التفوق في STEM ودعم الشركات المحلية
ينتج النظام التعليمي الصيني حوالي 50 ألف دكتوراه STEM سنوياً، مقابل 34 ألفاً في الولايات المتحدة، ما يغذي قطاعاً خاصاً يضم أكثر من 150 ألف مركز بحث وتطوير. الشركات الصينية، من البطاريات إلى الروبوتات، أصبحت قادرة على المنافسة عالمياً بفضل دمج البحث العلمي بالإنتاج الضخم. هذا التكامل جعل الشركات الأجنبية نفسها تتجه إلى الصين للتعلم وليس فقط للبيع.
الابتكار تحت الاختبار: فجوات الجودة ومخاطر المركزية
ورغم التقدم السريع، تواجه الصين تحديات تتعلق بجودة بعض الابتكارات، مثل تضخم براءات الاختراع أو مخاوف السلامة في السيارات ذاتية القيادة. كما كشفت أزمات مثل كوفيد-19 والعقارات هشاشة النموذج شديد المركزية. هذه المخاوف تثير تساؤلات حول ما إذا كانت الصين قادرة على الحفاظ على الابتكار دون أن تتعثر بنقاط ضعفها المؤسسية.
إعادة هيكلة تمويل التكنولوجيا
تعمل بكين حالياً على تطوير نموذج تمويل جديد يمنح المؤسسات المالية الحكومية دوراً أكبر مقارنة بالسلطات المحلية التي تسببت سابقاً في إهدار كبير عبر دعم صناعات غير مدروسة. وتأسيس صناديق استراتيجية بمليارات الدولارات يعكس انتقال الصين إلى مرحلة أكثر انضباطاً في الاستثمار التكنولوجي.
الغرب أمام مفترق طرق
بينما تطلق الصين سباق الابتكار نحو الأمام، تواجه الولايات المتحدة وأوروبا أسئلة وجودية: هل تتعاون مع الصين، أم تنافسها، أم تحاول التعايش معها؟ الخبراء يؤكدون أن الولايات المتحدة لن تربح السباق إلا إذا عززت نقاط قوتها التقليدية مثل الجامعات الحرة والبحث المفتوح، بينما يستحيل منافسة الصين بنموذجها المركزي دون تغيير جذري.
خلاصة
الصين لم تحسم سباق الابتكار بعد، لكنها تتقدم أسرع من أي منافس آخر. وإذا استمرت في الجمع بين التمويل الضخم، والقدرة التصنيعية، والتعليم التقني، والقيادة السياسية الموحدة، فقد تتحول من “مصنع العالم” إلى “محرك الاختراع العالمي” خلال عقد واحد فقط.



