الجارديان: الصين تضيق الخناق على تايوان وسط ارتباك في واشنطن وتوتر متصاعد في شرق آسيا
تتصاعد مؤشرات الخطر حول مستقبل تايوان مع ازدياد الضغوط التي تمارسها الصين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في وقت يتجه فيه العالم إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المحيطين الهندي والهادئ. تكشف التطورات الأخيرة أن بكين لم تعد تراهن فقط على القوة العسكرية، بل تعتمد على استراتيجية أكثر اتساعاً وتعقيداً تشمل العزل الدبلوماسي، الحرب السيبرانية، التلاعب بالمعلومات، ومحاولة تقويض ثقة الشعب التايواني بقدرة واشنطن على حمايته. يأتي ذلك في ظل حالة من التذبذب وعدم اليقين في السياسة الأمريكية، حيث يظهر الرئيس دونالد ترامب عاجزاً عن صياغة موقف حاسم تجاه الصين، ومتقلباً بين لغة العداء والوصاية، وبين محاولات متكررة لفتح أبواب التفاهم التجاري على حساب الالتزامات الأمنية. هذا الارتباك يعيد إلى الأذهان أخطاء تاريخية قادت إلى صدامات كارثية، ويجعل تايوان – ومعها اليابان وحلفاء واشنطن – أكثر هشاشة في مواجهة مشروع توسعي صيني أصبح أكثر جرأة وثقة.
الصين تروّج لوحدة قسرية بنموذج شبيه بهونغ كونغ
خطاب بكين الأخير كشف قدراً كبيراً من سوء الفهم تجاه العقلية التايوانية. فقد روّجت وسائل الإعلام الحكومية لفكرة أن تايوان ستُحكم مستقبلاً عبر “نظام وطني” مشابه لهونغ كونغ. هذه الرسالة، التي قدمتها الصين باعتبارها ضمانة للاستقرار والرخاء، بدت من وجهة نظر التايوانيين نذيراً بالسيطرة والقمع، خصوصاً مع التجارب القاسية التي شهدتها هونغ كونغ منذ فرض قوانين الأمن الوطني. بكين، التي تعتقد أن النموذج صالح للتصدير، تبدو غير مدركة لحجم التمسك الشعبي في تايوان بالديمقراطية وبالهوية المستقلة.

حصار متصاعد.. من الدبابات إلى الفضاء الإلكتروني
لم تعد الصين تعتمد على استعراض القوة العسكرية فقط. الضغوط باتت متعددة الأوجه وتشمل الحرب السيبرانية، عمليات التجسس، اختراق المؤسسات، ومحاولات العزل الإقليمي والدولي. الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي أكد أن بيئة التهديد باتت “أكثر كثافة”، وأن بكين تراهن على إنهاك المجتمع قبل استخدام القوة. الفلسفة الصينية تقوم على “خنق بطيء” يهدف إلى إقناع التايوانيين بأن المقاومة عبثية وأن الصين ستنتصر في النهاية، سواء بالحرب أو بدونها.
توتر مع اليابان يفتح جبهة جديدة في المسرح الإقليمي
التصريحات الأخيرة لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي وصفت حماية تايوان بأنها مسألة وجودية لليابان، فجرت أزمة جديدة مع بكين. رد الصين كان غاضباً إلى حد غير مسبوق، بدءاً من العقوبات وصولاً إلى نشر قوات بحرية قرب الجزر المتنازع عليها. هذا الغضب يكشف مخاوف الصين من أي اصطفاف إقليمي قد يعرقل خططها تجاه تايوان، كما يكشف أن بكين أصبحت أكثر حساسية واندفاعاً أمام أي خطاب يعزز فكرة الدفاع المشترك عن الجزيرة.
تراجع الدور الأمريكي يمنح بكين مساحة للمناورة
واشنطن، وفق محللين، تبدو اليوم أقل صرامة في مواجهة الصين. ترامب انتقل من نهج المواجهة في ملف التجارة إلى لهجة مهادنة سعياً لصفقة اقتصادية يحتاجها داخلياً. النتيجة كانت غياب رسائل واضحة لتايوان واليابان، وتأجيل شحنات أسلحة، وتباطؤ في الاتفاقيات الاقتصادية. هذا التردد عزز قناعة بكين بأن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى استراتيجية ثابتة، وأن الوقت مناسب لتشديد قبضتها.

الصين تقلب الطاولة في الحرب الاقتصادية
استخدام الصين لورقة المعادن النادرة ردّاً على رسوم ترامب شكّل نقطة تحول. هذا السلاح، الذي يمكنه شل الصناعات الأمريكية الحساسة، أثبت أن بكين قادرة على إيذاء واشنطن بطرق غير عسكرية. الرسالة كانت واضحة: الصين اليوم قوة لا يمكن إخضاعها بالعقوبات، بل يمكنها الرد بالمثل، وربما أقوى.
تحديات وجودية.. والوقت يضيق أمام تايوان وحلفائها
التحولات الجارية تكشف أن الصين تتقدم بثقة نحو تحقيق مشروعها التاريخي بضم تايوان، وأن الفراغ الأمريكي يسهم في تسريع هذا المخطط. وبينما تتزايد الضغوط على الجزيرة، تتزايد المخاطر في المنطقة بأكملها مع استعداد اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين لمواجهة سيناريو يغير مستقبل آسيا لعقود. المسألة لم تعد وصفاً لصراع على السيادة، بل اختباراً لقوة التحالفات الغربية، ولقدرة الديمقراطيات الآسيوية على الصمود أمام صعود قوة عسكرية واقتصادية تعتبر القرن الحادي والعشرين فرصتها الكبرى لإعادة تشكيل النظام العالمي.



