كارثة وانغ فوك كورت تكشف ثغرات خطيرة في منظومة البناء بهونغ كونغ
تعيش هونغ كونغ واحدة من أعقد اللحظات الإنسانية في تاريخها الحديث بعد الحريق المدمر الذي اجتاح مجمع “وانغ فوك كورت” السكني في منطقة تاي بو. ومع ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 146 قتيلاً، باتت المدينة أمام كارثة تُظهر هشاشة منظومة البناء والسلامة في واحدة من أكثر المدن اكتظاظًا في العالم. ومع استمرار فرق الإنقاذ في تمشيط الأبراج المحترقة، يتزايد الغضب الشعبي من حجم الإهمال الذي سمح للنيران بالتمدد بهذه السرعة، بينما يواصل الأهالي وضع الزهور والرسائل في موقع الحادث تعبيرًا عن حزن جماعي عابر للطبقات الاجتماعية. وترافق المشهد موجة أسئلة حول مدى التزام شركات المقاولات بقواعد السلامة، خصوصًا بعد الكشف عن استخدام مواد قابلة للاشتعال خلال عمليات الترميم. كما تتعرض السلطات لضغوط كبيرة وسط اتهامات بالتقصير، مما يجعل هذه الكارثة نقطة تحول في تقييم منظومة الأمن والسلامة في المباني الشاهقة.
صعوبات عمليات البحث والإنقاذ
واجهت فرق الإنقاذ تحديات استثنائية داخل الأبراج الثمانية التي شكّلت مسرح الحريق، حيث كانت المساحات الداخلية شبه معدومة الرؤية بسبب الدخان الكثيف وانقطاع الإضاءة بالكامل. وأوضح تشينغ كا-تشون، مسؤول وحدة التعرف على الضحايا، أن عمليات البحث داخل الشقق كانت أشبه بالتقدم داخل متاهة سوداء تحيطها جدران متفحمة، مما تسبب في بطء شديد في الوصول إلى الضحايا. وحتى الآن، تمت عملية مسح أربع كتل سكنية فقط وسط توقعات بأن الأعداد النهائية للضحايا قد تتجاوز المعلن. ووفق فرق الإطفاء، فقد عُثر على جثث داخل غرف النوم وعلى أسطح عدد من المباني، بما في ذلك 12 جثة رُصدت منذ الساعات الأولى للحريق لكن لم يُتمكن من انتشالها بسبب خطورة الوضع. وتؤكد السلطات أن طبيعة الأبراج المرتفعة وكثافة الشقق مثّلت تحديًا إضافيًا زاد من تعقيد المشهد الإنساني.
مفقودون ومصابون ومخاوف متفاقمة
على الرغم من مرور أيام على الحريق، لا تزال أكثر من مئة حالة في عداد المفقودين، وسط قلق متزايد لدى العائلات التي تترقب أي معلومة من فرق الإنقاذ. وارتفع عدد المصابين إلى 79 شخصًا، بينهم حالات خطيرة تستدعي متابعة طبية دقيقة. وعلى المستوى المجتمعي، أعادت الكارثة فتح نقاش واسع حول مدى قدرة المدينة على استيعاب الحوادث الكبرى في ظل بنية تحتية متقادمة وأبراج سكنية مترامية في مناطق مكتظة. كما أثارت الحادثة تساؤلات حول طبيعة مواد البناء المستخدمة، إذ أظهرت التحقيقات الأولية أن الأبراج كانت محاطة بسقالات من الخيزران مغطاة بشبكات بلاستيكية قابلة للاشتعال، بينما جرى سد النوافذ بألواح فوم سريعة الاشتعال، ما أدى إلى انتشار النيران بسرعة فوق المتوقع. هذه التفاصيل تعزز الشكوك بشأن التزام المقاول بالقوانين، وتزيد من حالة الغضب الشعبي.

إجراءات حكومية حاسمة
في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، أعلنت حكومة هونغ كونغ إيقاف العمل فورًا في 28 مشروعًا تنفذها شركة Prestige Construction + Engineering، وهي الجهة المسؤولة عن أعمال الترميم في المجمع. وأشارت الحكومة في بيان رسمي إلى أن الحريق كشف عن “قصور خطير” في إدارة السلامة، خاصة فيما يتعلق باستخدام مواد غير مقاومة للهب وعدم توفير إجراءات حماية كافية خلال عمليات البناء. وتعهدت السلطات بإجراء تدقيق شامل لجميع مواقع العمل التابعة للشركة، إضافة إلى وضع خطة رقابية جديدة تضمن التفتيش اللحظي على المواد المستخدمة في مواقع البناء. وتؤكد الحكومة أن التحقيقات لن تقتصر على الجانب الفني، بل ستشمل مسؤوليات الأطراف كافة، مع استعدادها لفرض عقوبات مشددة في حال ثبوت الإهمال، في خطوة تهدف لاستعادة الثقة في منظومة البناء داخل المدينة.
هواجس سياسية تعيد التوتر للواجهة
لم يخلُ المشهد من أبعاد سياسية، حيث حذرت سلطات الأمن الوطني الصينية من استغلال الحادث لإثارة التوترات، في ظل حساسية المجتمع المحلي بعد احتجاجات عام 2019. ورغم هذه التحذيرات، خرج الآلاف لتقديم التعازي دون أي شعارات سياسية، مؤكدين أن الكارثة تتجاوز الحسابات الفئوية وتفرض مراجعة جذرية لمعايير البناء. ويرى مراقبون أن الغضب الشعبي الموجه نحو شركات المقاولات والجهات الرقابية قد يتحول إلى ضغط سياسي واسع يدفع لإعادة صياغة التشريعات المرتبطة بالبناء والسلامة. كما أشارت شهادات عدة من سكان المنطقة إلى بطء عمليات الإخلاء داخل الأبراج، وضعف أجهزة الإنذار المبكر، وهي عناصر عززت انتشار النيران وأسهمت في تضخم حجم الخسائر البشرية، مما يضع الملف أمام مساءلات عميقة خلال الفترة المقبلة.


تداعيات مستقبلية ومعركة تنظيمية
تتجه بكين إلى معالجة شاملة للموقف، إذ أعلنت وزارة الطوارئ الصينية إطلاق حملة وطنية لفحص الأبنية الشاهقة على مستوى البلاد، مع تركيز خاص على أنظمة الرش الآلي، وصنابير الإطفاء، والسقالات، وشبكات الحماية. ويرى خبراء العمران أن نتائج هذه الحملة قد تقود إلى مراجعة سياسات البناء في الصين بأكملها، خصوصًا أن الحريق أعاد إلى الأذهان حادث عام 1948 الذي أودى بحياة 176 شخصًا. وبينما تُوفّر السلطات مراكز مؤقتة لإيواء الناجين، تتعالى المطالب بضرورة فرض رقابة صارمة ومنع استخدام أي مواد قابلة للاشتعال خلال عمليات الترميم، إلى جانب إعادة تقييم منظومة التراخيص للمباني القديمة. وتؤكد توقعات عدة أن هذا الحادث سيعيد رسم العلاقة بين شركات البناء والجهات الرقابية، ما يمهد لمرحلة أكثر حزمًا في إدارة السلامة داخل المدن الشاهقة.




