سلام أوكرانيا الناقص: لماذا تمثل بيلاروسيا الحلقة الأخطر في أي اتفاق سلام؟
مع تسارع الجهود الدبلوماسية الدولية لرسم ملامح تسوية محتملة للحرب في أوكرانيا، يحذّر خبراء وسياسيون بيلاروسيون من أن أي اتفاق سلام لا يتضمن بيلاروسيا بشكل صريح سيبقى هشًا ومهددًا بالانهيار. فبحسب هذا الطرح، لا يمكن تحقيق سلام دائم في أوروبا طالما تُترك بيلاروسيا خارج معادلة الضمانات الأمنية والالتزامات السياسية.
بيلاروسيا… من دولة مجاورة إلى منصة حرب
عشية الغزو الروسي لأوكرانيا، تعهّد الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بعدم استخدام أراضي بلاده لشن أي هجوم. لكن بعد أيام فقط، تحولت بيلاروسيا إلى ممر رئيسي للقوات الروسية، انطلقت منه الأرتال العسكرية، والصواريخ، والطائرات، مع توفير دعم لوجستي كامل للجيش الروسي. هذا الدور دفع عدة دول إلى تصنيف بيلاروسيا كـ«طرف مشارك» في الحرب، لا مجرد دولة محايدة.
ثغرة جيوسياسية تهدد أوروبا
تمتد بيلاروسيا على طول أكثر من ألف كيلومتر على الحدود الشمالية لأوكرانيا، وتمثل أقصر طريق بري نحو كييف، إضافة إلى كونها ممرًا صاروخيًا مباشرًا باتجاه دول حلف شمال الأطلسي، خصوصًا بولندا وليتوانيا ولاتفيا. ويرى محللون أن ترك هذه المساحة الجغرافية دون تنظيم أمني واضح يعني الإبقاء على ثغرة خطيرة في منظومة الأمن الأوروبي.
سيناريو الضم الروسي… خطر يتجاوز أوكرانيا
يحذر التقرير من أن استبعاد بيلاروسيا من أي اتفاق سلام قد يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في ضمها كليًا أو جزئيًا إلى روسيا. في هذه الحالة، ستنتقل البنية العسكرية الروسية مئات الكيلومترات غربًا، لتصبح على تماس مباشر مع حدود «الناتو»، ما يرفع احتمالات اندلاع مواجهة أوروبية واسعة في المستقبل.
شعب بيلاروسيا خارج المعادلة العسكرية
على عكس النظام الحاكم، لا يؤيد جزء واسع من الشعب البيلاروسي الحرب. ففي عام 2020، خرج مئات الآلاف في احتجاجات غير مسبوقة ضد نتائج الانتخابات الرئاسية، مطالبين برحيل لوكاشينكو. غير أن الدعم الروسي المباشر والقمع الواسع مكّنا النظام من البقاء في السلطة، وفق ما يؤكد معارضون في المنفى.
خمسة مطالب لضمان سلام حقيقي
طرحت قوى معارضة ومنظمات مجتمع مدني بيلاروسية خمس نقاط أساسية يجب إدراجها في أي اتفاق سلام مستقبلي:
ضمان سيادة بيلاروسيا
توفير ضمانات أمنية ملزمة لسيادة ووحدة أراضي بيلاروسيا، على غرار تلك المطلوبة لأوكرانيا، لمنع أي محاولة روسية للضم أو الهيمنة الكاملة.
تحييد بيلاروسيا عسكريًا
منع استخدام الأراضي البيلاروسية كمنصة لشن هجمات خارجية، وإعادة تثبيت وضعها كدولة غير نووية بشكل دائم.
إطلاق سراح المعتقلين السياسيين
إغلاق جميع القضايا ذات الدوافع السياسية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين في بيلاروسيا وروسيا وأوكرانيا، وضمان عودة آمنة للمنفيين، في خطوة تُعد اختبارًا جديًا لأي انفراج سياسي.

انتخابات حرة برقابة دولية
إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة خلال فترة زمنية محددة، تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، باعتبارها الجهة الدولية المعترف بها لمراقبة التحولات السياسية بعد الأنظمة السلطوية.
رفع تدريجي للعقوبات
ربط أي تخفيف للعقوبات المفروضة على بيلاروسيا بتنفيذ إصلاحات سياسية حقيقية، ووقف القمع، وضمان الحريات الأساسية.

دروس من الماضي… واتفاقات بلا ضمانات
يشير التقرير إلى أن «مذكرة بودابست» لعام 1994، التي ضمنت أمن أوكرانيا وبيلاروسيا مقابل التخلي عن الأسلحة النووية، افتقرت إلى آليات قانونية ملزمة، ما جعلها عاجزة عن منع الغزو الروسي لاحقًا. لذلك يؤكد الخبراء أن أي اتفاق سلام جديد يجب أن يخضع لمصادقة برلمانية كاملة في الدول الموقعة، لضمان قوته القانونية.
بيلاروسيا مفتاح السلام الأوروبي
يخلص التحليل إلى أن تجاهل بيلاروسيا في أي تسوية للحرب الأوكرانية لن يؤدي إلا إلى «سلام مؤقت» قابل للانفجار في أي لحظة. فالأمن الأوروبي، بحسب هذا التصور، لا يمكن أن يكتمل ما دامت هناك دولة تُستخدم كمنفذ خلفي للنفوذ العسكري الروسي. ومن دون إغلاق هذه الثغرة، سيظل شبح الحرب مخيمًا على شرق أوروبا لسنوات قادمة.



