فايننشال تايمز: شركات السيارات الغربية تحاكي النموذج الصيني لتسريع طرح الطرازات الجديدة في الأسواق

تشهد صناعة السيارات العالمية سباقًا محمومًا بين الشركات الغربية ونظيراتها الصينية من أجل تقليص زمن تطوير السيارات الجديدة، في ظل منافسة شرسة تقودها الصين بفضل سرعتها العالية وتكاليفها المنخفضة. ومع تسارع التحولات التكنولوجية، وتغير أذواق المستهلكين، واضطراب سلاسل التوريد بسبب التوترات الجيوسياسية، بات عامل السرعة عنصرًا حاسمًا للبقاء في السوق، لا يقل أهمية عن السلامة والجودة. هذا الواقع دفع كبرى شركات السيارات في أوروبا واليابان والولايات المتحدة إلى إعادة النظر في نماذج العمل التقليدية، وتبنّي أساليب مستوحاة من التجربة الصينية، ليس فقط على المستوى التقني، بل أيضًا على المستوى الثقافي والتنظيمي داخل الشركات، في محاولة للحاق بدورة تطوير لا تتجاوز أحيانًا 18 إلى 20 شهرًا.
سباق مع الزمن لمواجهة التفوق الصيني
أقرّ مسؤولون تنفيذيون في قطاع السيارات بأن الشركات الصينية أصبحت معيارًا عالميًا في سرعة تطوير الطرازات الجديدة. ففي حين كانت دورة تطوير السيارة في الغرب تمتد إلى أكثر من أربع أو خمس سنوات، بات هذا الإطار الزمني اليوم غير مقبول في سوق سريع التغير، حيث قد تصبح التكنولوجيا قديمة قبل وصول السيارة إلى صالات العرض.

شراكات وتحولات استراتيجية
في هذا السياق، اختارت شركة فورد الدخول في شراكة مع رينو لإنتاج سيارات كهربائية صغيرة في أوروبا، مستفيدة من نجاح الشركة الفرنسية في خفض زمن تطوير طرازاتها الجديدة إلى أقل من عامين. كما أعلنت فولكسفاغن أنها قلّصت دورة تطوير سياراتها الكهربائية في الصين بنسبة 30% مقارنة بالمسار التقليدي.
أما نيسان، فقد أطلقت هذا العام في الصين سيارتها الكهربائية الجديدة N7 بسعر يقل عن 20 ألف دولار، بعد تطويرها خلال نحو عامين فقط بالتعاون مع شريكها المحلي دونغفينغ، مع خطط لتصديرها إلى أسواق أخرى بدءًا من العام المقبل.
التكنولوجيا الرقمية وحدها لا تكفي
رغم الاعتماد المتزايد على أدوات التصميم والاختبار الافتراضي، يؤكد خبراء الصناعة أن العامل الحاسم كان التحول الثقافي داخل الشركات. فالشركات الصينية تعتمد بشكل واسع على الأجزاء المشتركة، وتُجري تغييرات جوهرية عبر البرمجيات بدل التعديلات الميكانيكية المكلفة، ما يسمح بتسريع الإنتاج وخفض التكاليف.
رينو ونموذج “شنغهاي”
تُعد سيارة Twingo الكهربائية الجديدة، المقرر طرحها في 2026، أول ثمرة لنهج رينو الجديد، الذي تقوده وحدة تطوير في شنغهاي تضم نحو 150 مهندسًا وخبيرًا محليًا. وقد تم تطوير السيارة خلال 21 شهرًا فقط، فيما يُتوقع أن يُنجز تطوير طراز Dacia Hipster في 16 شهرًا لا غير.
الموردون الصينيون وتحدي التقاليد
يعتمد هذا النهج الجديد على الاستعانة بشكل أكبر بموردين صينيين، وهو ما يثير جدلًا داخل الشركات الغربية التي اعتادت شبكات توريد محلية تقليدية. غير أن السرعة والمرونة التي يوفرها الموردون في الصين باتت عاملًا لا يمكن تجاهله.
السلامة مقابل السرعة
في المقابل، يحذّر بعض الخبراء من مخاطر الإفراط في تقليص زمن التطوير على حساب اختبارات المتانة والسلامة. فبحسب دراسات استشارية، تُجري الشركات الصينية اختبارات متانة لمسافة تقل كثيرًا عن تلك التي تعتمدها الشركات الغربية، مع الاعتماد على تحديثات برمجية لاحقة لمعالجة المشكلات بعد طرح السيارات في الأسواق.
مستقبل الصناعة
يرى مراقبون أن مستقبل صناعة السيارات سيكون مرهونًا بقدرة الشركات على تحقيق توازن دقيق بين السرعة والابتكار من جهة، والحفاظ على معايير السلامة والجودة من جهة أخرى. وفي عصر تهيمن عليه البرمجيات والتحديثات الرقمية، قد يكون التأخر في الإطلاق خطرًا أكبر من المخاطرة المحسوبة.



