فايننشال تايمز: أميركا غير الموثوقة تدفع اليابان إلى دبلوماسية العصي والبراغماتية الجديدة
تعكس التحركات الأخيرة لطوكيو تحوّلًا عميقًا في تفكيرها الاستراتيجي، بعدما باتت الثقة اليابانية في الضمانات الأميركية موضع تساؤل متزايد. عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وسياساته القائمة على الإكراه التجاري وتسييس التحالفات، دفعت اليابان إلى إعادة تقييم موقعها في نظام دولي يتداعى بسرعة. في هذا السياق، لم تعد طوكيو تكتفي بالاعتماد شبه المطلق على واشنطن، بل بدأت تبحث عن صيغ أكثر واقعية ومرونة لبناء شبكة علاقات جديدة، حتى مع خصوم تاريخيين. تقرير فايننشال تايمز يسلط الضوء على هذا التحول من خلال مشهد رمزي جمع رئيسة الوزراء اليابانية سانيه تاكايشي والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ في ما عُرف بـ«دبلوماسية العصي»، في إشارة إلى مقاربة جديدة تحكمها الضرورة والبراغماتية أكثر من المبادئ التقليدية للنظام العالمي القديم.
رمزية دبلوماسية العصي في عالم متصدع
المشهد الذي جمع زعيمي اليابان وكوريا الجنوبية وهما يعزفان على الطبول لم يكن مجرد لقطة بروتوكولية أو استعراض إعلامي، بل رسالة سياسية محمّلة بالدلالات. ففي عالم تتآكل فيه القواعد القديمة، تحاول قوى متوسطة مثل طوكيو وسيول الحفاظ على إيقاع خاص بها وسط صخب الصراع بين واشنطن وبكين. هذا النوع من الدبلوماسية الرمزية يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التحالفات الصلبة لم تعد كافية، وأن بناء الثقة يتطلب إشارات جديدة تتجاوز اللغة التقليدية للسياسة.
بين أميركا الضاغطة وصين أكثر جرأة
تجد اليابان نفسها عالقة بين قوتين عظميين: الولايات المتحدة التي لا تزال توفر مظلة أمنية أساسية، لكنها أصبحت أكثر تقلبًا وضغطًا، والصين التي تمثل الشريك التجاري الأكبر، لكنها أكثر حزمًا في فرض نفوذها الإقليمي. هذا التوازن الدقيق يفرض على طوكيو انتهاج سياسة حذرة، تحاول من خلالها تجنب الانحياز الكامل لأي طرف. التقارب مع كوريا الجنوبية، رغم الإرث التاريخي الثقيل، يأتي في هذا الإطار كخيار عملي لتقوية الموقف الإقليمي في مواجهة الضغوط المتزايدة.
القبول بانهيار النظام القديم
خلال العام الماضي، أظهرت اليابان مؤشرات واضحة على تقبّلها لفكرة أن النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد قابلًا للإصلاح السريع. هذا التحول الفكري يُعد خطوة فلسفية كبيرة لدولة استفادت طويلًا من هذا النظام ودافعت عنه بقناعة. اليوم، بات الخوف من تراجع موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية دافعًا رئيسيًا لهذا التحول، ما يدفع صناع القرار في طوكيو إلى تفضيل التكيّف مع الواقع بدل التمسك بمبادئ لم تعد تحظى بالحماية ذاتها.
صفقة الرسوم الجمركية ومنطق الواقعية القاسية
رد فعل اليابان على رسوم “يوم التحرير” التي فرضها ترامب العام الماضي كان لافتًا بهدوئه وسرعته. فبدل التصعيد والدفاع الصارم عن النظام التجاري العالمي، سارعت طوكيو إلى طاولة التفاوض ووقعت صفقة ضخمة تتعهد فيها باستثمارات تصل إلى 550 مليار دولار في الولايات المتحدة مقابل تخفيف مشروط للرسوم. هذه الصفقة، التي كانت ستُعد غير مقبولة في السابق، تعكس حجم التنازل الذي باتت اليابان مستعدة لتقديمه في سبيل الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في علاقتها مع واشنطن.
من الدفاع عن القواعد إلى التعايش مع تآكلها
البراغماتية الجديدة لا تعني فقط قبول صفقات غير متكافئة، بل المشاركة الضمنية في تآكل الثقة بالنظام الدولي القائم على القواعد. فاليابان، التي كانت من أشد المدافعين عن هذا النظام، تجد نفسها اليوم مضطرة لتبرير تنازلاتها باعتبارها ثمنًا لا مفر منه في عالم تحكمه موازين القوة. هذا التحول يثير قلقًا داخل بعض الأوساط الرسمية اليابانية، لكنه يعكس أيضًا إدراكًا بأن التمسك بالمثاليات قد أصبح رفاهية سياسية مكلفة.
الخوف من إغضاب ترامب كعامل حاسم
بلغت البراغماتية اليابانية حدّ الامتناع عن توقيع بيان دولي داعم لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، خشية إثارة غضب ترامب. هذا الموقف، غير المسبوق، يكشف مدى التأثير الذي باتت حسابات العلاقة مع واشنطن تمارسه على قرارات طوكيو. اليابان، التي طالما فصلت بين السياسة والاقتصاد، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى تسييس مواقفها النقدية والدبلوماسية، في إشارة واضحة إلى مدى التحول الذي فرضته الأشهر الاثنا عشر الماضية على سلوكها الدولي.



