د. شيماء محسن تكتب: خلل منظومة القيم وخطورة فوضى السوشيال ميديا على المجتمع المصري
تشهد المجتمعات المعاصرة، وعلى رأسها المجتمع المصري، حالة واضحة من الخلل والاضطراب في منظومة القيم والعادات والتقاليد الراسخة التي شكّلت عبر عقود طويلة الأساس المتين لهويته الثقافية والاجتماعية. هذا الخلل لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تداخل عوامل متعددة، من أبرزها التحولات التكنولوجية المتسارعة، والانفتاح غير المنضبط على ثقافات مغايرة، إضافة إلى فوضى المحتوى المنتشر عبر تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي دون رقابة حقيقية أو أطر أخلاقية وقانونية حاكمة.
لقد لعبت القيم والعادات والتقاليد دورًا محوريًا في الحفاظ على تماسك المجتمع المصري، وضمان استقراره، وتعزيز روح الانتماء والهوية الوطنية لدى أفراده. إلا أن ما نشهده اليوم من ممارسات وسلوكيات دخيلة، تتعارض في كثير من الأحيان مع القيم الأصيلة، ينذر بخطر حقيقي على الوعي الجمعي للدولة المصرية، خاصة بين فئة الشباب والأطفال، الذين أصبحوا الفئة الأكثر تعرضًا وتأثرًا بما يُبث عبر هذه المنصات.
وتكمن خطورة تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي في كونها سلاحًا ذا حدين؛ فهي من جهة أداة فعّالة للتواصل وتبادل المعرفة، ومن جهة أخرى تحولت إلى ساحة مفتوحة لنشر التفاهة، وترويج العنف اللفظي والسلوكي، وتشويه المفاهيم الأخلاقية، وتطبيع السلوكيات غير السوية، بل وأحيانًا تشجيعها تحت مسميات زائفة مثل “الحرية الشخصية” أو “صناعة المحتوى”. هذا الأمر أدى إلى تراجع واضح في منظومة القيم، وخلق حالة من الارتباك الثقافي والمعياري داخل المجتمع.
إن مواجهة هذه الظواهر السلبية لا يمكن أن تكون مسؤولية جهة واحدة، بل تتطلب تضافر جميع الجهود، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية، وصولًا إلى أجهزة الدولة المختلفة. فالأسرة هي خط الدفاع الأول في غرس القيم السليمة، والمؤسسات التعليمية مطالبة بتعزيز الوعي النقدي لدى النشء، بينما يقع على عاتق الإعلام دور كبير في تقديم نماذج إيجابية ومحتوى هادف يسهم في بناء الوعي لا هدمه.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري وضع ضوابط وأطر قانونية واضحة وحازمة للتعامل مع فوضى وتشوهات المحتوى الرقمي، بما يضمن حرية التعبير المسؤولة، دون السماح بالإساءة للقيم المجتمعية أو تهديد السلم الاجتماعي. كما يجب تحديث التشريعات بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية، وتفعيل آليات المحاسبة والرقابة على المحتوى الضار، مع دعم المبادرات التي تشجع على الاستخدام الإيجابي والواعي لمنصات التواصل الاجتماعي.
ختامًا، فإن الحفاظ على منظومة القيم والعادات والتقاليد المصرية ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة وطنية لحماية الهوية، وصون الوعي الجمعي، وضمان مستقبل أكثر استقرارًا وتماسكًا للمجتمع المصري في ظل عالم متغير وسريع الإيقاع.



