الجارديان البريطانية: أوكرانيا تعيد رسم معادلة الدفاع الجوي مع تصاعد التهديدات الروسية
في ظل دخول الحرب الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، تتجه كييف إلى إعادة ابتكار عقيدتها الدفاعية الجوية في مواجهة الهجمات الروسية المتصاعدة. ووفق ما أبرزته التليجراف البريطانية في متابعتها للتطورات الأخيرة، فإن القيادة الأوكرانية تراهن على مزيج جديد من التكنولوجيا والمرونة الميدانية لتعويض النقص في أنظمة الدفاع التقليدية، وسط تحذيرات رسمية من ضربات روسية “واسعة النطاق” قيد الإعداد. الرئيس فولوديمير زيلينسكي تحدث بوضوح عن “تحول جذري” في طريقة استخدام الدفاعات الجوية، مشيرًا إلى اعتماد مجموعات نيران متنقلة وطائرات مسيّرة اعتراضية قصيرة المدى، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية للطاقة هدفًا مباشرًا للهجمات الروسية. هذا التحول لا يعكس فقط تطورًا عسكريًا تقنيًا، بل يكشف أيضًا عن ضغوط استراتيجية هائلة تواجهها أوكرانيا مع استمرار الحرب للعام الرابع على التوالي.
تحول جذري في عقيدة الدفاع الجوي
أعلنت القيادة الأوكرانية عن إدخال نهج جديد في تشغيل منظومات الدفاع الجوي، يعتمد على مجموعات صغيرة ومتحركة بدلًا من التركيز الحصري على الأنظمة الثقيلة الثابتة. هذا التوجه، بحسب تصريحات زيلينسكي، يهدف إلى رفع سرعة الاستجابة وتقليل قابلية الاستهداف من قبل الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية. المجموعات المتنقلة تتيح توزيع الجهد الدفاعي على مساحات أوسع، ما يصعّب على موسكو شل الدفاعات بضربة واحدة مركزة. كما يعكس هذا النهج إدراكًا أوكرانيًا بأن الحرب الجوية لم تعد تُحسم فقط بالصواريخ باهظة الثمن، بل بالمرونة والقدرة على الانتشار السريع والتكيف مع طبيعة الهجمات المتغيرة.
المسيّرات الاعتراضية كسلاح المستقبل
إحدى أبرز ملامح الخطة الجديدة تتمثل في الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة الاعتراضية، وهي أدوات أقل تكلفة مقارنة بالصواريخ التقليدية، لكنها فعالة في مواجهة أسراب الدرون الروسية. أوكرانيا تسعى من خلال هذا الخيار إلى تحقيق توازن اقتصادي عسكري، خاصة مع الاستنزاف المستمر للموارد. هذه المسيّرات تمنح القوات الأوكرانية قدرة أكبر على حماية المدن والمنشآت الحيوية دون استنزاف مخزونها من الذخائر المتقدمة. كما أن دمجها ضمن شبكة دفاع جوي مرنة يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث تلعب الأنظمة الذكية وغير المأهولة دورًا متزايد الأهمية.
تحذيرات من ضربات روسية واسعة
في موازاة الإعلان عن التحديثات الدفاعية، أطلق زيلينسكي ومسؤولون كبار تحذيرات مباشرة للمواطنين من هجمات روسية وشيكة. المعلومات الاستخباراتية الأوكرانية تشير إلى عمليات استطلاع روسية تستهدف منشآت حساسة، وعلى رأسها محطات الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالمفاعلات النووية. هذه التحذيرات تعكس قلقًا حقيقيًا من سيناريو تصعيدي جديد، خصوصًا في ظل استخدام موسكو للهجمات على الطاقة كوسيلة ضغط استراتيجية خلال فصل الشتاء، حيث تصبح تداعيات أي انقطاع أكثر قسوة على المدنيين.
استهداف الطاقة… سلاح الضغط الأبرز
الهجمات الروسية الأخيرة على شبكة الطاقة الأوكرانية أعادت إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية المدنية في زمن الحرب. انقطاع الكهرباء والمياه عن ملايين السكان ليس مجرد نتيجة جانبية للمعارك، بل أداة مقصودة لإضعاف الجبهة الداخلية. أوكرانيا، من جهتها، تحاول تعزيز حماية محطات الطاقة عبر الدمج بين الدفاعات الجوية التقليدية والحلول الجديدة قصيرة المدى. إلا أن التحدي يبقى هائلًا، في ظل اتساع رقعة الأهداف وصعوبة توفير مظلة دفاعية كاملة، ما يجعل ملف الطاقة أحد أكثر ساحات الصراع حساسية وخطورة.
القلق النووي ودور الوكالة الدولية
تصاعد المخاوف بشأن سلامة المنشآت النووية الأوكرانية دفع كييف إلى تكثيف تواصلها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إعادة ربط خطوط الكهرباء الاحتياطية بمحطة زابوريجيا النووية، تحت إشراف دولي، كشف حجم المخاطر الكامنة في أي تصعيد جديد. أي استهداف مباشر أو غير مباشر للبنية التحتية النووية قد يحمل تداعيات إقليمية ودولية تتجاوز حدود أوكرانيا. هذا الملف يضيف بعدًا دوليًا معقدًا للصراع، ويضع روسيا وأوكرانيا تحت مجهر المجتمع الدولي.
ضغوط سياسية وانتخابية في زمن الحرب
بالتوازي مع التحديات العسكرية، تواجه أوكرانيا ضغوطًا سياسية متزايدة تتعلق بمستقبل العملية الديمقراطية. الحديث عن الانتخابات في ظل الدمار الواسع والنزوح الجماعي يثير انقسامًا داخليًا وخارجيًا، خاصة مع مطالب أمريكية بإجرائها رغم استمرار الأحكام العرفية. المسؤولون الأوكرانيون يؤكدون أن تنظيم انتخابات في هذه الظروف يتطلب وقتًا طويلًا واستقرارًا مفقودًا حاليًا. هذا الجدل يعكس تداخل المسارين العسكري والسياسي، ويُظهر أن معركة أوكرانيا لا تُخاض فقط في السماء وعلى الجبهات، بل أيضًا في إدارة توازن دقيق بين الشرعية والاستقرار والبقاء.



