هجمات تستهدف الصينيين في أفغانستان: هل بدأت بكين تدفع ثمن شراكتها الاستراتيجية؟
شهدت أفغانستان خلال الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الهجمات التي تستهدف المواطنين الصينيين ومصالح بكين، كان آخرها تفجير انتحاري استهدف مطعماً صينياً في كابول يوم 19 يناير، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص بينهم مواطن صيني من أصول أويغورية. وتأتي هذه الحوادث في وقت تسعى فيه الصين لتعزيز نفوذها في أفغانستان، وتحويلها إلى شريك اقتصادي واستراتيجي، ما يضع بكين أمام معضلة صعبة بين حماية مصالحها وتكلفة الأمن المتزايدة، وبين الاستمرار في الاستثمار في بلد يفتقر إلى الاستقرار.
تفجير كابول: رسالة مباشرة لبكين
استهدف التفجير مطعماً صينياً في منطقة “شهر نو” التجارية التي تُعد من أكثر المناطق أماناً في العاصمة الأفغانية. وأعلنت ولاية خراسان التابعة لتنظيم “داعش” المسؤولية، وادعت أن الهجوم جاء رداً على ما وصفته “الجرائم المتزايدة” التي ترتكبها الحكومة الصينية ضد الأويغور. ما يضيف بعداً جديداً للتهديد، إذ يربط العنف الصيني في أفغانستان بالسياسة الداخلية في إقليم شينجيانغ، وهو ما قد يرفع من وتيرة الهجمات ويصعّب على بكين إيجاد حلول أمنية فعّالة.
تصاعد الهجمات.. وتراجع الرد الرسمي
رغم أن وسائل الإعلام الأفغانية تحدثت عن نحو 10 هجمات استهدفت صينيين أو مصالح صينية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن السلطات الأفغانية لم تصدر نتائج رسمية عن التحقيقات. هذا الأمر يطرح سؤالاً كبيراً حول قدرة طالبان على ضبط الأمن، أو مدى رغبتها في كشف حقيقة الجماعات المسلحة داخل البلاد، خصوصاً أن بعضها قد تكون له علاقات مع الأويغور أو تنظيمات متطرفة أخرى.
أفغانستان: منصة استراتيجية وبؤرة تهديد في الوقت نفسه
بعد سقوط الحكومة الأفغانية السابقة في 2021، خرجت معظم الشركات الأجنبية من البلاد، بينما زادت حركة المستثمرين والتجار الصينيين، وباتت كابول تضم آلاف الصينيين، وبعض التقارير تشير إلى وجود نحو 5000 صيني يعيشون في العاصمة. كما زادت المشاريع الصينية في التعدين والبنية التحتية، وهو ما يجعل الصين لاعباً اقتصادياً رئيسياً في أفغانستان، لكن هذا التوسع يأتي مع تبعات أمنية واضحة.
بكين وتالايفان: علاقة معقدة ومليئة بالمصالح
في أغسطس 2025، زار وزير الخارجية الصيني وانغ يي كابول، وهو أعلى مسؤول صيني يزور البلاد منذ 2021، ودعا طالبان إلى مكافحة الجماعات المسلحة وتعزيز التعاون الأمني لحماية المشاريع الصينية. لكن العلاقة معقدة، إذ يُعرف أن طالبان منحوا ملاذاً لعناصر من حركة “الإسلام التركي” الأويغورية، ما يضع بكين في مواجهة تناقض بين حاجتها لطالبان كطرف سياسي وضرورة ضمان أمن مواطنيها.
التهديد يمتد إلى دول الجوار… وضغوط باكستانية تتصاعد
لم تقتصر الهجمات على أفغانستان، بل وصلت إلى مناطق حدودية في طاجيكستان، حيث قُتل صينيون في هجمات متكررة، ما أدى إلى تعليق الأعمال في مشروع طريق دشنبيه-شينجيانغ. وفي ظل تزايد التوترات الحدودية بين أفغانستان وباكستان، بدأت إسلام أباد، حليف بكين الأبرز في المنطقة، توجيه انتقادات حادة لطالبان، مطالبة بكبح “الملاجئ الآمنة” للجماعات المتطرفة. وهذا يضع بكين في موقع محوري كوسيط محتمل، لكن مع مخاطرة سياسية عالية.
معضلة بكين: استمرار الاستثمار أم إعادة تقييم الاستراتيجية؟
تواجه الصين خياراً صعباً: الاستمرار في تعزيز وجودها في أفغانستان رغم ارتفاع تكلفة الحماية الأمنية، أو إعادة تقييم سياستها وتقليص استثماراتها. ومع استمرار الهجمات، قد تضطر بكين إلى تبني نهج أكثر تشدداً، أو تقليص الاعتماد على الأفغان في حماية مصالحها، وربما زيادة الاعتماد على قوات خاصة أو شركات أمنية، ما قد يفتح الباب لمزيد من الاحتكاكات والتوترات.



