معارك دونباس وتحديات اللحظة الحرجة قبل قمة ألاسكا

في وقت يستعد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاستقبال نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة عسكرية بألاسكا، تواجه القوات الأوكرانية خرقًا ميدانيًا في جبهة دونباس يهدد بتقويض موقفها التفاوضي. مجموعات تخريبية روسية صغيرة، يقدر عددها بين 20 و30 مقاتلًا، تمكنت من اختراق خطوط الدفاع شرق مفترق دوبروبيليا، وهو موقع استراتيجي شمال جبهة باكروفسك. ورغم أن إحدى هذه المجموعات تم تحييدها، فإن استمرار نشاط الأخريات يثير المخاوف من توسع الاختراق، خصوصًا مع تزايد القصف بالقنابل الانزلاقية والهجمات بطائرات FPV على طرق الإمداد والمواقع المتحركة.
تطور تكتيكات موسكو في ساحة المعركة
تشير المؤشرات الميدانية إلى أن روسيا باتت أكثر فاعلية في استهداف فرق تشغيل الطائرات المسيّرة الأوكرانية، إضافة إلى تعزيز قدراتها على ضرب القوات أثناء التحرك. الطرق الحيوية، مثل الطريق T0514 المؤدي إلى كراماتورسك، أصبحت في مرمى النيران، بينما تتحدث مصادر روسية عن “القضاء المنهجي” على أطقم أوكرانية. هذه الاستراتيجية تعكس تصميم موسكو على إضعاف القدرة الدفاعية الأوكرانية قبل أي مسار سياسي محتمل، خصوصًا مع حشد نحو 110 آلاف جندي بالقرب من باكروفسك، وانتظار وصول 12 ألفًا آخرين من جبهة سومي.
حسابات بوتين السياسية قبل المفاوضات
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتوقع أن يطرح بوتين في قمة ألاسكا شرطًا أساسيًا لوقف إطلاق النار، يتمثل في تنازل كييف عن نحو 3,400 ميل مربع من أراضي إقليم دونيتسك، بما في ذلك كراماتورسك. هذا الطرح، الذي ترفضه أوكرانيا جملة وتفصيلًا، يعكس قناعة بوتين بأنه يحقق تقدمًا بطيئًا لكن ثابتًا في الحرب. ورغم أن مكاسبه في باكروفسك كانت محدودة وباهظة الثمن، فإن أي إخفاق أوكراني في احتواء الاختراقات الأخيرة قد يعزز موقفه في التفاوض.
دروس من هجمات العام الماضي وتغير موازين القوة
الهجوم الأوكراني المفاجئ على منطقة كورسك الروسية في أغسطس 2024 منح كييف حينها دفعة معنوية وأوراق تفاوضية، لكنه مع مرور الوقت فقد قيمته الاستراتيجية مع استعادة روسيا زمام المبادرة. وبالنظر إلى تجربة باخموت التي استغرقت موسكو عامًا كاملًا للسيطرة عليها، يبدو أن المدن الكبيرة لا تزال عصية على التقدم الروسي السريع، بينما تحقق القوات الغازية نجاحًا أكبر في المناطق الريفية، حيث تسعى الآن لقطع طرق الإمداد المؤدية إلى كراماتورسك.
أدوات جديدة وتوسيع “منطقة القتل”
المدى المتزايد للطائرات المسيّرة الهجومية الروسية، بما في ذلك النماذج المزودة بألياف ضوئية غير قابلة للتشويش، سمح بتمديد “منطقة القتل” إلى مسافة تصل إلى 12 ميلًا. ومع ذلك، فإن وتيرة التقدم الروسي تظل بطيئة، إذ لم يتجاوز التوسع 34 ميلًا في 17 شهرًا على جبهة دونيتسك، وفق معهد دراسات الحرب. هذا البطء لا يقلل من خطورة الموقف، بل يشير إلى استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تهدف إلى إنهاك القوات الأوكرانية.
خيارات أوكرانيا وحدود الدعم الأمريكي
تصريحات ترامب الأخيرة عن “عواقب شديدة جدًا” لبوتين إذا لم يوافق على وقف إطلاق النار تثير آمال بعض الساسة الأوكرانيين في إمكانية فرض عقوبات ثانوية على صادرات النفط الروسية إلى الصين، التي بلغت قيمتها 4.1 مليار يورو الشهر الماضي. إلا أن غياب أي التزام أمريكي مباشر بالدعم العسكري يجعل هذه العقوبات الأمل الأبرز، في ظل استمرار الهجمات الروسية وتكبدها خسائر بشرية يومية دون أن يؤثر ذلك على قرار القيادة في الكرملين بمواصلة القتال.
معادلة الخسائر وثقة الكرملين في النفس الطويل
أرقام الخسائر التي عرضها زيلينسكي مؤخرًا تكشف واقعًا مقلقًا: 531 قتيلًا روسيًا مقابل 18 قتيلًا أوكرانيًا في يوم واحد، مع أعداد أكبر بكثير من الجرحى والمفقودين في الجانب الأوكراني. هذا الفارق يعكس شدة المعارك ويؤكد أن موسكو مستعدة لتحمل معدلات خسائر مرتفعة طالما أن الداخل الروسي لا يظهر مقاومة سياسية تذكر. وبذلك، قد يرى بوتين أن أمامه فسحة زمنية كافية لتمديد المفاوضات مع ترامب وإبقاء أوكرانيا تحت الضغط العسكري والسياسي.



