الباحثة رقية الأشرم تكتب .. الأحزاب المصرية المترهلة.. ضجيج بلا تأثير

تعيش الساحة الحزبية المصرية واحدة من أكثر مراحلها ارتباكًا وتفككًا منذ عقود، بعدما فقدت معظم الأحزاب التاريخية زخمها وقدرتها على التأثير في الشارع، وتحولت إلى كيانات شكلية عاجزة عن أداء دورها الطبيعي في الحياة السياسية.
ورغم تعدد محاولات الإصلاح الداخلي، فإن أغلب تلك الكيانات باتت تعاني من تآكل البنية التنظيمية، وضعف التواصل مع الشارع، في ظل غياب الرؤية والتجديد الفكري، ما جعلها أشبه بأجسام سياسية فقدت نبضها.
تتصدر المشهد أزمات متتالية داخل أحزاب تاريخية، مثل الوفد والتجمع، اللذين كانا يومًا ما يمثلان جناحين مختلفين في الحياة السياسية المصرية أحدهما ليبرالي والآخر يساري لكن كليهما يعاني اليوم من فقدان الهوية والتماسك.
في حزب الوفد، تصاعدت الخلافات الداخلية بشكل غير مسبوق، لتتحول من نقاشات فكرية إلى صراعات على الزعامة والنفوذ، وهو ما أفقد الحزب مصداقيته أمام قواعده وجمهوره التقليدي.
أما حزب التجمع، الذي كان رمزًا للفكر التقدمي، فقد دخل في دوامة من القرارات الفردية التي أضعفت بنيته التنظيمية، بعدما انفرد رئيس الحزب بالمشهد البرلماني لثلاث دورات متتالية، في مخالفة صريحة للوائح الداخلية التي تضمن مبدأ التداول.
ولم تتوقف الأزمة عند حد التجاوزات التنظيمية، بل امتدت إلى تجاهل ترشيحات الأمانات بالمحافظات، واستبدالها بترشيحات فردية صادرة عن رئيس الحزب، بل وتضم أحيانًا شخصيات سبق أن تبنت مواقف متعارضة مع خط الحزب السياسي، ما أثار تساؤلات واسعة حول هوية الحزب وتوجهه الحقيقي.
ما يجري داخل هذه الأحزاب ليس مجرد خلاف على المقاعد، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بغياب المشروع السياسي والرؤية الفكرية. فالكثير من الأحزاب باتت تعتمد على شعارات الماضي دون تطوير أدواتها أو تجديد خطابها السياسي، ما جعلها غير قادرة على التواصل مع الأجيال الجديدة أو التأثير في الشارع.
كما أن الانفصال بين القواعد والقيادات بات سمة عامة، إذ فقدت القواعد الثقة في قياداتها التي أصبحت أسيرة لمصالح شخصية أو حسابات ضيقة، بينما تراجعت فكرة العمل الجماعي التي تقوم عليها الحياة الحزبية الحقيقية.
الواقع يشير إلى أن المشهد الحزبي في مصر بات بحاجة ماسة إلى إعادة بناء شاملة تعيد للحياة السياسية توازنها، من خلال ظهور كيانات جديدة أكثر فاعلية وتنظيمًا، تمتلك برامج واقعية تعبر عن احتياجات المواطنين، وتؤمن بدور المعارضة الوطنية كجزء من منظومة التوازن السياسي وليست خصمًا في معادلة الصراع.
فالمطلوب اليوم هو أحزاب تمتلك فكرًا واضحًا، وتنظيمًا قويًا، وقدرة على إنتاج قيادات مؤهلة تواكب تحديات المرحلة، لا كيانات تعيش على أمجاد الماضي أو تتنازع حول المناصب.
إن ما تشهده الساحة الحزبية اليوم ليس مجرد أزمة تنظيمية، بل مرحلة انتقالية نحو واقع سياسي جديد يعيد تعريف دور الأحزاب في المجتمع.
وربما يكون تراجع الكيانات التقليدية هو الثمن الطبيعي لبداية جيل جديد من الأحزاب، يتعامل مع السياسة كفنٍ لإدارة الاختلاف والبناء، لا كساحة للمكايدات أو المصالح الشخصية.



