كندا تعيد رسم خريطة تجارتها.. نحو آسيا لتقليل الارتهان لأمريكا

بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على السلع الكندية، تحرك رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بسرعة لاحتواء التداعيات المحتملة على الاقتصاد الوطني. وجاءت الخطوة في إطار رؤية تهدف إلى تقليل الاعتماد التاريخي على السوق الأمريكية، التي تستوعب أكثر من 75% من الصادرات الكندية. ويطمح كارني إلى إعادة توجيه التجارة الكندية نحو آسيا، من خلال تعزيز الاتفاقات مع تكتلات اقتصادية صاعدة مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجموعة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “APEC”، في مسعى لإرساء توازن تجاري جديد يمنح بلاده استقلالًا اقتصاديًا واستراتيجيًا أكبر، بعد عقود من الارتباط الوثيق بواشنطن.
جذور الأزمة مع واشنطن
بدأت الأزمة مع قرار ترامب بفرض الرسوم الجديدة مطلع الأسبوع، ردًا على حملة دعائية انتقدت سياساته أطلقتها حكومة أونتاريو الكندية. وردًّا على ذلك، أطلق كارني جولة آسيوية واسعة، استهلها من ماليزيا لحضور قمة “آسيان” وتعزيز فكرة اتفاق تجارة حرة مع دولها الـ11، قبل الانتقال إلى كوريا الجنوبية للمشاركة في قمة “APEC” ولقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ. وتعتمد كندا تاريخيًا على السوق الأمريكية لتصريف صادراتها الصناعية والزراعية، وهو ما جعل أي توتر مع واشنطن ينعكس فورًا على سوق العمل والقطاع الصناعي الكندي. ومع الرسوم الجديدة، بدأت مؤشرات الخسائر والضغوط الاقتصادية بالظهور، ما دفع أوتاوا لتسريع خطواتها نحو بدائل آسيوية.
التحول نحو الشرق
يرى كارني أن مضاعفة الصادرات الكندية إلى الأسواق غير الأمريكية خلال العقد المقبل باتت مسألة “وجودية” وليست خيارًا سياسيًا. هذا التوجه لم يقتصر على الحكومة الفيدرالية؛ بل تبنته أيضًا المقاطعات الاقتصادية الكبرى مثل أونتاريو وكولومبيا البريطانية وألبرتا. ففي ميناء برنس روبرت شمال غربي البلاد، تُنفذ خطة توسعة ضخمة تشمل جسورًا للسكك الحديدية ومرافق جديدة لتصدير الغاز والبروبان، مما سيجعل الميناء منافسًا مباشرًا لنظيره الأمريكي في لوس أنجلوس عبر تقليص زمن الشحن إلى شنغهاي بثلاثة أيام. وقال ديفيد إيبي، رئيس وزراء كولومبيا البريطانية: “نحن نبني كندا الجديدة، المستقلة اقتصاديًا، الأقل اعتمادًا على الولايات المتحدة، والأكثر انفتاحًا على آسيا”.
ترميم العلاقات مع الصين والهند
بعد أعوام من التوتر مع بكين ونيودلهي، أعاد كارني فتح قنوات التواصل مع القوتين الآسيويتين. ففي قمة مجموعة السبع الأخيرة، وجّه دعوة تاريخية إلى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لزيارة كندا، وهي الأولى منذ عقد من الزمن، ما مثّل خطوة رمزية لاستعادة العلاقات الدبلوماسية تمهيدًا لاستئناف مفاوضات التجارة الحرة. أما على صعيد العلاقات مع الصين، فبالرغم من القيود المفروضة على واردات السيارات الكهربائية والمعادن، تعمل الحكومة الكندية على تسوية النزاعات تدريجيًا. وزيرة الخارجية أنيتا أناند قامت بزيارة رسمية إلى بكين في أكتوبر، وهي الثالثة فقط خلال ثماني سنوات، في مؤشر على ذوبان الجليد وعودة الحوار الاقتصادي بين البلدين.
الرأي العام يدعم التحول الجديد
أظهرت استطلاعات معهد “أنغوس ريد” أن الكنديين باتوا ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها “خصمًا محتملاً” أكثر من كونها شريكًا موثوقًا، وهو تحول لافت في المزاج العام. ويعكس ذلك التأثير المباشر للحرب التجارية على معيشة المواطن الكندي وأسعاره الداخلية. هذا الاتجاه الشعبي يعزز موقع كارني سياسيًا، إذ يُنظر إليه على أنه يقود “التحرر التجاري الثاني لكندا” بعد اتفاقية نافتا. كما بدأ الإعلام المحلي يتحدث عن “الشرق الكندي الجديد” في إشارة إلى إعادة تموضع البلاد في الخريطة الاقتصادية العالمية بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
القطاع الخاص على الخط
واكب القطاع الصناعي الكندي التوجه الحكومي بسرعة. إذ قالت كاري يورز، الرئيس التنفيذي لشركة “Kryton International” المتخصصة في تكنولوجيا الخرسانة: “فريقنا في الصين يحتفل بهذا الانفتاح. نحن نوسع أعمالنا في الهند، وهذه الخطوات تعزز ثقتنا في الاستثمار طويل الأمد في آسيا.” شركات الطاقة والتعدين والزراعة والتكنولوجيا الكبرى بدأت بدورها في تعديل استراتيجياتها التسويقية وإعادة توجيه استثماراتها نحو الأسواق الآسيوية سريعة النمو، في إشارة إلى توافق غير مسبوق بين القطاعين العام والخاص على ضرورة إنهاء الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية.
نحو مستقبل تجاري جديد
التحرك الذي يقوده مارك كارني يمثل تحولًا استراتيجيًا في السياسة الاقتصادية الكندية، وربما لحظة مفصلية في تاريخها التجاري. فبعد أكثر من قرن من التبعية الاقتصادية للولايات المتحدة، تسعى كندا اليوم إلى بناء جسور جديدة نحو الصين والهند ودول آسيان، في محاولة لتأمين مستقبلها أمام تقلبات السياسة الأمريكية. نجاح هذا التحول لن يحدد فقط مصير الاقتصاد الكندي، بل قد يرسم ملامح دور جديد لكندا في النظام التجاري العالمي، دولة تبحث عن توازن واستقلال، وتراهن على الشرق لتجاوز ظلال الغرب.



