نيويورك تايمز: اعتقال أربعة أشخاص بعد اضطرابات خلال حفل الأوركسترا الفيلهارمونية الإسرائيلية

شهدت قاعة “فيلهارموني دو باري” مساء الخميس واحدة من أكثر الليالي توترًا في المشهد الثقافي الفرنسي، حين تحوّل عرض موسيقي للأوركسترا الفيلهارمونية الإسرائيلية إلى ساحة احتجاج سياسي على خلفية الحرب في غزة.
وانتهت الأمسية باعتقال أربعة أشخاص بعد أن أطلق بعض الحضور شماريخ مضيئة داخل القاعة، ما أدى إلى اشتعال حريق صغير قبل أن يُخمد سريعًا.
فوضى في القاعة ومواجهة بين الجمهور
وفق بيان إدارة القاعة، فإن محاولات التشويش بدأت بعد دقائق من انطلاق العرض أمام نحو 2400 متفرج، عندما ألقت امرأة منشورات وهتفت ضد إسرائيل، قبل أن تُخرجها قوات الأمن بهدوء.
لكن بعد دقائق، أشعل متظاهرون آخرون شماريخ حمراء مرتين متتاليتين أثناء أداء الأوركسترا بقيادة المايسترو لاهَڤ شاني (Lahav Shani)، ما تسبب في اندلاع نيران محدودة في المقاعد وتدافع خفيف بين الجمهور.
شهود عيان قالوا إن الهدوء عاد بسرعة بفضل تدخل المتفرجين أنفسهم الذين أخمدوا النيران قبل وصول عناصر الإطفاء. وأوضح الجراح المتقاعد مارك مايدنبرغ (73 عامًا): “لم يكن هناك ذعر، رغم أن النيران اشتعلت لثوانٍ، وبعد الاستراحة استؤنف الحفل بشكل طبيعي.”

الحفل يُستأنف وسط تصفيق طويل
بعد الحادث، استأنفت الأوركسترا أداءها لتُكمل برنامجها المكوَّن من الكونشرتو الخامس لبيتهوفن والسيمفونية الخامسة لتشايكوفسكي.
وانتهى الحفل بتصفيق استمر عشر دقائق متواصلة من أغلب الحضور، قبل أن تؤدي الفرقة النشيد الوطني الإسرائيلي، في لفتة رمزية ردًّا على محاولات التشويش.
الحضور، رغم الانقطاعات، وصفوا العرض بأنه “رائع ومؤثر”، وقالت السيدة راشيل سيناي-سينيلنيكوف (73 عامًا) التي وثقت الحادثة بالصور: “الموسيقى انتصرت في النهاية، رغم كل الفوضى. لكن الأمن كان ضعيفًا للغاية… تفتيش الحقائب لم يكن كافيًا.”
ردود فعل رسمية فرنسية حازمة
قالت رشيدة داتي، وزيرة الثقافة: “لا يمكن التسامح مع أي أعمال عنف أو كراهية أو اعتداءات على الفنانين في المسارح أو قاعات الحفلات.”
من جانبه، أكد وزير الداخلية لوران نونيز أن “لا شيء يبرر تعريض حياة المتفرجين للخطر”.
وأصدرت إدارة القاعة بيانًا مشتركًا مع الشرطة الفرنسية جاء فيه: “بغض النظر عن المواقف السياسية، من غير المقبول تمامًا تهديد سلامة الجمهور أو العاملين أو الفنانين.”

خلفية سياسية: غزة تظلل الحفل
تأتي الحادثة في ظل تصاعد الغضب الشعبي في فرنسا وأوروبا تجاه الحرب الإسرائيلية في غزة، التي أدّت — بحسب وزارة الصحة في القطاع — إلى مقتل أكثر من 60 ألف شخص بينهم آلاف الأطفال منذ أكتوبر 2023.
وتُعد الأوركسترا الإسرائيلية هدفًا متكررًا للاحتجاجات، رغم تأكيد قائدها لاهف شاني أن الفرقة “مستقلة فنيًا عن الحكومة” وإن كانت تتلقى دعمًا ماليًا محدودًا من وزارة الثقافة الإسرائيلية.
مقاطعات ودعوات لإلغاء الحفل
قبل العرض بأسابيع، نشر مئات الفنانين والموسيقيين الفرنسيين رسالة مفتوحة عبر موقع Mediapart دعوا فيها إلى إلغاء الحفل، معتبرين أن “استضافته تكرّس إفلات إسرائيل من المحاسبة”.
كما أصدرت النقابة الوطنية للعاملين في الفنون المسرحية بيانًا قالت فيه: “لا يمكن لقصر الفيلهارموني أن يستقبل فرقة تمثل دولة متهمة بارتكاب جرائم حرب دون تذكير الجمهور بذلك.”
وفي المقابل، أكدت إدارة القاعة أن الفنانين لا يتحملون مسؤولية سياسات حكوماتهم، مضيفة: “نستقبل بانتظام فنانين من إسرائيل وفلسطين معًا، دون مطالبتهم باتخاذ مواقف سياسية.”
يُذكر أن نفس القاعة كانت قد ألغت عام 2022 حفلات الأوركسترا الروسية “ماريينسكي” بعد الحرب على أوكرانيا بسبب ارتباط قائدها فاليري غيرغييف بالرئيس بوتين.
موجة احتجاجات في أوروبا ضد الفنانين الإسرائيليين
الحادثة ليست معزولة. ففي سبتمبر الماضي، ألغى مهرجان موسيقي في بلجيكا دعوة الأوركسترا الفيلهارمونية لمدينة ميونيخ التي يقودها أيضًا لاهف شاني، بعدما طالب المنظمون بتوضيح موقفه من “الجرائم الإسرائيلية”.
وفي أكتوبر، نظمت تظاهرات خارج قاعة كارنيغي في نيويورك أثناء جولة الأوركسترا الإسرائيلية هناك.
ويرى مراقبون أن الاحتجاجات الفنية أصبحت وسيلة ضغط رمزية ضد السياسات الإسرائيلية، بينما يرى آخرون أنها تتحول إلى استهداف جماعي للفنانين اليهود والإسرائيليين.
ردود فعل يهودية وإسرائيلية
عقب الحادث، كتب يوناتان آرفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (CRIF)، على منصة X: “الدعوات لمقاطعة الفنانين الإسرائيليين مرفوضة تمامًا. الكراهية لن تمنع الموسيقيين من الحصول على تصفيق الجمهور.”
أما السفير الإسرائيلي لدى فرنسا يوشع زاركا، الذي حضر الحفل، فقال إن من “يحاولون تسييس الفن” يسعون لاستغلال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
الأمن بين السياسة والثقافة
إدارة قاعة فيلهارموني أوضحت أنها نسّقت مع الشرطة مسبقًا بشأن الإجراءات الأمنية بعد تلقيها تهديدات عبر الإنترنت، لكنها أقرت بوجود “ثغرات في التفتيش”.
وقالت في بيان لاحق: “العنف ليس رأيًا، وإدخاله إلى قاعة موسيقية أمر بالغ الخطورة”.
وأضافت الإدارة أنها ستراجع نظام الدخول والتفتيش تحسبًا لأي عروض إسرائيلية أو فلسطينية مستقبلية.
الفن بين نارين: المقاومة والموسيقى
تُعيد هذه الحادثة تسليط الضوء على الدور الإنساني والسياسي للفن في زمن الحروب، وعلى التحدي الذي يواجه المؤسسات الثقافية الأوروبية في تحقيق التوازن بين حرية التعبير ومنع التحريض.
فبينما يرى البعض أن المقاطعة الفنية أداة شرعية للاحتجاج على “الاحتلال والعنف”، يعتبر آخرون أن تحويل المسارح إلى ساحات صراع سياسي يهدد جوهر الفنون كمساحة إنسانية مشتركة.
ورغم كل شيء، يبقى المشهد الختامي رمزيًا: “اللموسيقى استمرت، والجمهور صفق طويلاً، في رسالة بأن الفن — رغم الانقسام — لا يزال يجد طريقه إلى الحياة”.



