لندن في مرمى الاتهام بعد تجاهل خطط منع الإبادة في دارفور

كشف تقرير حصلت عليه صحيفة الغارديان أن الحكومة البريطانية رفضت تنفيذ خطط متكاملة لحماية المدنيين في السودان، رغم تحذيرات مبكرة من احتمال وقوع عمليات تطهير عرقي في مدينة الفاشر بإقليم دارفور. القرار الذي اتُخذ قبل أشهر من سقوط المدينة بيد قوات الدعم السريع، تضمن اختيار “الخيار الأقل طموحًا” من بين أربعة خيارات قُدمت لوزارة الخارجية البريطانية، وذلك بعد نحو ستة أشهر من بدء الحصار الذي استمر أكثر من عام ونصف. ويشير التقرير إلى أن هذا الرفض جاء رغم علم المسؤولين بوجود تهديدات وشيكة بارتكاب جرائم حرب، ما أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية رأت في الموقف البريطاني تخليًا متعمدًا عن التزاماته الدولية ومسؤوليته الأخلاقية تجاه المدنيين السودانيين.

قرارات اقتصادية على حساب الأرواح
تُظهر الوثائق المسربة أن وزارة الخارجية البريطانية قلّصت دعمها المخصص لحماية المدنيين واختارت خطة “الحد الأدنى” لتفادي الإنفاق، مكتفية بتخصيص عشرة ملايين جنيه إسترليني إضافية للجنة الدولية للصليب الأحمر وبعض المنظمات الإنسانية. هذه الخطة استبعدت اقتراحًا أكثر شمولًا كان يدعو لإنشاء آلية حماية دولية تهدف لمنع الجرائم ضد الإنسانية والعنف الجنسي. التقرير يؤكد أن التخفيضات في ميزانية المساعدات، وضعف التنسيق بين الإدارات، جعلا بريطانيا عاجزة عن تنفيذ برامج فعالة لحماية النساء والفتيات، اللواتي تعرضن لاعتداءات واسعة النطاق خلال الحرب. ومع ذلك، لم تُعلن لندن عن مراجعة رسمية لسياساتها رغم تصاعد الأدلة على وقوع جرائم منهجية في دارفور.

انتقادات دولية وتواطؤ سياسي
من جانبها، قالت شينا لويس، خبيرة السودان في منظمة «بايما» الأمريكية، إن الجرائم الجماعية ليست كوارث طبيعية بل نتائج مباشرة لقرارات سياسية يمكن تفاديها بوجود إرادة حقيقية. وأشارت إلى أن لجوء بريطانيا إلى الخيار الأقل طموحًا يوضح مدى تراجع اهتمامها العالمي بمنع الفظائع، ويجعلها شريكًا غير مباشر في ما وصفته بـ«الإبادة المستمرة» ضد سكان دارفور. التقرير ذاته نقل عن مسؤولين بريطانيين قولهم إن بلادهم تواصل لعب دور “المرجعية” لملف السودان في مجلس الأمن، وإنها قدمت أكثر من 120 مليون جنيه إسترليني للمساعدات الإنسانية، غير أن المراقبين يرون أن هذا الدعم المالي لا يعوض غياب الضغط السياسي والدبلوماسي الكافي على الأطراف المتحاربة.
ضغوط برلمانية ومراجعة الأداء
في المقابل، حذّرت سارة تشامبيون، رئيسة لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني، من أن السعي إلى خفض الإنفاق على حساب البرامج الإنسانية يشكل “خطأً أخلاقيًا وسياسيًا جسيمًا”. وأكدت أن الوقاية من الفظائع يجب أن تكون محور السياسة الخارجية للمملكة المتحدة لا مجرد بند ثانوي. التقرير النهائي للمراجعة، الذي أعدته ليز ديتشبورن، أشار إلى أن بريطانيا أظهرت قيادة سياسية معتبرة على الورق، لكنها فقدت تأثيرها الميداني بسبب التذبذب في الاهتمام الحكومي والقيود المالية المتزايدة. ويرى محللون أن هذا النهج قصير النظر يهدد بتقويض مصداقية لندن كمدافع عن حقوق الإنسان، خصوصًا مع استمرار الانتهاكات المروعة في دارفور دون تحرك دولي حاسم.
أزمة ثقة في الدور البريطاني
رغم أن بريطانيا تعهدت في مجلس الأمن بمحاسبة قادة قوات الدعم السريع على الجرائم التي ارتكبتها ميليشياتهم، فإن مراقبين يرون أن التعهدات الدبلوماسية لا تكفي لتعويض إخفاقات السياسة الوقائية. فالتقرير يكشف أن البرامج الموجهة لدعم النساء والفتيات في السودان لن تدخل حيز التنفيذ قبل عام 2026، ما يعني أن آلاف المدنيين سيظلون دون حماية فعلية في الوقت الراهن. ومع تصاعد الانتقادات المحلية والدولية، تواجه الحكومة البريطانية اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إعادة صياغة دورها الإنساني في مناطق النزاع، وتحديدًا في السودان، الذي يشهد اليوم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر.



