ألمانيا تدعم خطة أوروبية لحماية صناعة الصلب ومواجهة الإغراق

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس دعم ألمانيا لخطة الاتحاد الأوروبي لفرض رسوم جمركية على واردات الصلب التي تتجاوز الحصص المقررة، في خطوة تهدف لحماية صناعة حيوية تواجه تحديات متزايدة. يأتي ذلك في وقت تتراجع فيه القدرة الإنتاجية للمصانع الأوروبية بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط الاقتصادية العالمية، بينما يواصل الإغراق الصيني منافسة القطاع بشكل غير عادل.
ويشمل الدعم الألماني أيضًا الدعوة لوقف واردات الصلب الروسية ضمن العقوبات المفروضة على موسكو، فضلًا عن السعي للحصول على إعفاء سريع من الرسوم الأمريكية على الصلب والألومنيوم. ويشير هذا الموقف إلى تحول ملموس في الخطاب الألماني من الانفتاح الكامل على التجارة الحرة نحو ما يُمكن تسميته بـ”الوطنية الاقتصادية”، بما يعكس إدراك برلين لأهمية حماية الوظائف وإعادة بناء قاعدة صناعية قوية قادرة على المنافسة في عصر التحول الأخضر والتحديات الدولية.
رسوم جمركية مضاعفة وموقف حازم من روسيا
يدعم ميرتس مشروع الاتحاد الأوروبي الذي يقضي برفع الرسوم الجمركية على واردات الصلب إلى 50% بدلًا من 25% الحالي، في محاولة لحماية الشركات الأوروبية من الإغراق الصيني والتنافس غير العادل. كما طالب بوقف واردات الصلب الروسية ضمن العقوبات المفروضة على موسكو، معتبرًا أن الاعتماد على هذه السلع يشكل تهديدًا للسيادة الصناعية الأوروبية. وأكدت الحكومة الألمانية أنها ستسعى للحصول على إعفاء سريع من الرسوم الأمريكية على الصلب والألومنيوم، بما يتيح للمنتجين الأوروبيين المنافسة في الأسواق الدولية دون فقدان القدرة التنافسية. هذا الموقف يعكس تصعيدًا واضحًا في السياسة الاقتصادية الأوروبية، ويؤكد أن حماية الصناعة أصبحت أولوية استراتيجية داخل الاتحاد.
“القليل من الوطنية الاقتصادية”… شعار المرحلة
أعرب وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل عن الحاجة إلى ما وصفه بـ”القليل من الوطنية الاقتصادية”، داعيًا الشركات والمستهلكين الأوروبيين إلى تفضيل المنتج المحلي ضمن مبادرة “اشترِ الأوروبي هنا”. وتعكس هذه اللغة تحولًا عن الموقف التقليدي لألمانيا الداعم للتجارة الحرة، إلى استراتيجية حمائية مدروسة تهدف إلى حماية الوظائف وإعادة بناء القوة الصناعية. ويؤكد خبراء أن هذا التوجّه يعكس وعيًا متزايدًا لدى برلين بأن السياسات الاقتصادية الدولية، بما فيها الإغراق الصيني والحمائية الأمريكية، تفرض ضرورة حماية الصناعات الحيوية من اختلالات السوق العالمية، لضمان استدامة الإنتاج والقدرة على المنافسة في المستقبل، وتهيئة القطاع للتكيف مع التحول نحو صلب منخفض الانبعاثات.
صناعة متعبة تواجه ضغوط الطاقة والتحول الأخضر
تُعد صناعة الصلب الألمانية من أهم رموز القوة الاقتصادية منذ عقود، لكنها تواجه اليوم تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والأجور، بالإضافة إلى ضغط التحول نحو إنتاج “الصلب الأخضر” القائم على الهيدروجين. وأوضح ميرتس أن الحكومة ستعمل على خفض تكاليف الطاقة ومنح الأولوية للشركات المنتجة للصلب الأخضر ضمن العقود الحكومية، لتسهيل التحول البيئي دون خسارة القدرة التنافسية للقطاع. كما شدد على أهمية الجمع بين الابتكار والحفاظ على الإنتاج التقليدي لضمان استمرار الشركات في السوق الأوروبية والعالمية، مؤكدًا أن حماية الوظائف وتحفيز التحول الصناعي هما الهدفان الرئيسيان للسياسات الاقتصادية الجديدة.
تحوّل ألماني عن “الانفتاح الكامل”
يمثل دعم ألمانيا للخطة الأوروبية تحولًا ملحوظًا عن نهجها التقليدي في الانفتاح الكامل على التجارة الحرة، ويعكس إدراكًا بأن السياسات الحمائية الأمريكية والإغراق الصيني تشكل تهديدًا للقطاع الصناعي الحيوي. وتشير مصادر أوروبية إلى أن الموقف الألماني يعزز فرص تمرير الرسوم الجمركية الجديدة في البرلمان الأوروبي، رغم معارضة بعض الدول الليبرالية مثل السويد وهولندا. ويؤكد خبراء أن برلين تعي أن حماية القاعدة الصناعية لا تقتصر على دعم مؤقت، بل تشمل إعادة هيكلة القطاع ليصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات العالمية وضمان استمرار المنافسة في الأسواق الدولية، مع تحقيق التوازن بين الحفاظ على الإنتاج والابتكار البيئي.
نحو “أوروبا تصنع من جديد”
اختتم ميرتس تصريحاته بالتأكيد على أن الهدف ليس مجرد حماية الوظائف، بل إعادة بناء قاعدة صناعية أوروبية قوية قادرة على المنافسة في عصر التحول الأخضر. وقال: “نحتاج إلى شركات صلبة تستطيع الابتكار والصمود أمام التحديات، وأوروبا يجب أن تشتري منتجاتها محليًا لضمان مستقبل صناعي مستدام.” وتعكس هذه التصريحات التزام برلين بمقاربة استراتيجية تجمع بين حماية القطاع الصناعي التقليدي وتشجيع التحول البيئي، ما يجعل الاتحاد الأوروبي أكثر استقلالًا وقدرة على مواجهة الضغوط العالمية. وبينما يشكّل الإغراق الصيني والتوترات التجارية تحديًا مزدوجًا، تراهن ألمانيا على أن هذا التوازن سيضمن “أوروبا تصنع من جديد” بأمان واستدامة.



