موسكو وواشنطن على حافة سباق تسلّح نووي جديد
في مشهد يعيد أجواء الحرب الباردة إلى الواجهة، عاد الحديث عن السلاح النووي إلى قلب الصراع بين موسكو و واشنطن. فقد لمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى احتمال استئناف التجارب النووية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها رد مباشر على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعلن نيّته إعادة تفعيل التجارب بعد أكثر من ثلاثة عقود من التوقف. هذه المؤشرات تثير قلقًا عالميًا من سباق تسلّح نووي جديد قد يقوّض اتفاقيات الحد من الأسلحة التي ظلت حجر الأساس في النظام الأمني الدولي منذ تسعينيات القرن الماضي. وبين لغة التهديد المتبادل والتبريرات السياسية، يبدو أن ملف الردع النووي يستعد لاستعادة حضوره في مركز السياسة العالمية.
رسائل بوتين إلى واشنطن
قال بوتين خلال اجتماع لمجلس الأمن الروسي إن على بلاده أن تتخذ “خطوات انتقامية مناسبة” إذا أقدمت الولايات المتحدة على استئناف تجاربها النووية. وأضاف أنه طلب من الحكومة إعداد مقترحات تفصيلية حول إمكان البدء في التحضير لتلك التجارب، في إشارة تحمل مزيجًا من الجدية والاستعراض السياسي. منذ انهيار الاتحاد السوفييتي لم تُجرِ روسيا أي تفجير نووي فعلي، لكن التصريحات الأخيرة تؤكد عودة موسكو إلى استخدام الملف النووي كأداة للضغط والردع في مواجهة واشنطن. ويأتي هذا التحرك ضمن سياسة بوتين التي تقوم على إبراز القوة العسكرية وإعادة التوازن الدولي في ظل ما تعتبره موسكو محاولات أمريكية لتطويق نفوذها الاستراتيجي.
ترامب يعيد فتح “الملف المحظور”
جاءت تصريحات بوتين بعد أسبوع من إعلان ترامب عبر منصّته “تروث سوشال” أنه أمر وزارة الدفاع الأمريكية بإعداد خطط لاستئناف الاختبارات النووية “على قدم المساواة” مع روسيا والصين. ورغم الغموض الذي أحاط بطبيعة تلك التجارب — سواء كانت تفجيرية للرؤوس النووية أو متعلقة بأنظمة الإطلاق — فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: واشنطن لن تظل مقيدة باتفاقيات الحد من التسلّح في وقت تسعى فيه موسكو وبكين لتطوير ترسانتهما. هذه العودة إلى لغة الاستعراض النووي تكشف رغبة ترامب في توظيف الملف لتعزيز صورته كرئيس قوي في مواجهة خصومه، لكنها في الوقت ذاته تُقوّض الثقة الدولية بآليات ضبط التسلح.
الكرملين يتحرك بحذر محسوب
ردّ الكرملين على تصريحات ترامب جاء مزيجًا من التصعيد والتحفظ. فقد أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أن إعداد المقترحات لاستئناف التجارب سيستغرق وقتًا، “حتى تتضح نوايا الولايات المتحدة”. كما نقل رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين أن السفير الروسي في واشنطن لم يتلقّ أي رد رسمي من مجلس الأمن القومي الأمريكي بشأن التصريحات الأمريكية. ورغم نبرة الحذر، فإن الاجتماع الأمني الروسي الذي حضره وزير الدفاع أندريه بيلوسوف اتخذ طابعًا استعراضيًا واضحًا، إذ دعا الأخير إلى بدء التحضيرات فورًا لإجراء التجارب في أرخبيل نوفايا زيمليا شمال البلاد، ما يؤشر إلى رغبة موسكو في بعث رسالة ردع قوية دون خرق فوري لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
مؤشرات لسباق تسلّح نووي جديد
التطورات الأخيرة تأتي في سياق أوسع من التوتر بين القوى النووية الكبرى، حيث تتزايد الاختبارات العسكرية الروسية بالتوازي مع تصاعد النزعة الانعزالية في السياسة الأمريكية. فموسكو كانت قد أعلنت مؤخرًا عن تجارب ناجحة لصاروخ كروز “بوريفيستنيك” والطائرة المسيرة النووية “بوسيدون”، مؤكدة أنها تجارب غير تفجيرية. غير أن عودة الخطاب النووي المتبادل تثير مخاوف من سباق تسلّح يعيد العالم إلى مشهد الردع المتبادل الذي ساد خلال الحرب الباردة. ومع تراجع الالتزام العالمي بالاتفاقيات النووية، يخشى الخبراء من أن يؤدي انهيار نظام الرقابة الحالي إلى زعزعة توازن الردع الذي حافظ على استقرار هش لعقود.
انعكاسات دولية واستراتيجية
يحذر محللون من أن أي استئناف فعلي للتجارب النووية سيشكّل انتكاسة كبرى للدبلوماسية الدولية، وقد يدفع قوى أخرى مثل كوريا الشمالية والهند وباكستان إلى اتخاذ خطوات مماثلة. كما يهدد بتقويض مكانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب التي لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بعد. في المقابل، يرى بعض الخبراء أن التلويح الروسي والأمريكي بالتجارب يهدف أساسًا إلى الضغط التفاوضي المتبادل قبيل قمم نزع السلاح المقبلة. ومع ذلك، فإن مجرد تداول فكرة العودة إلى التجارب النووية يرسل إشارة مقلقة إلى العالم بأن سباق التسلّح لم يمت، بل يستعد لجولة جديدة في ظل نظام دولي يتآكل فيه منسوب الثقة المتبادلة.



