الكونغرس الأمريكي يطالب بتدقيق صفقة ترمب مع الصين لإنقاذ “تيك توك”

تتصاعد في واشنطن موجة جديدة من الجدل حول صفقة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع شركة “بايت دانس” الصينية بشأن مستقبل تطبيق “تيك توك”، إذ يطالب الكونغرس بمراجعة شاملة لبنود الاتفاق وسط انقسام سياسي حاد ومخاوف أمنية متزايدة. ويخشى المشرّعون أن تكون التسوية المقترحة مجرد حل وسط لا يحقق الانفصال الكامل بين الشركة الصينية والمستخدمين الأمريكيين، ما قد يُبقي بياناتهم في متناول الحزب الشيوعي الصيني. ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه إدارة ترمب تقديم الصفقة كنجاح سياسي واقتصادي يوازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على التطبيق المحبوب لدى الشباب الأمريكي. غير أن مؤسسات الكونغرس ترى أن مثل هذه التفاهمات لا يجب أن تمر دون تدقيق قانوني صارم، خاصة في ظل ما تمثله من اختبار لمستقبل السيادة الرقمية الأمريكية وحدود سلطة الرئيس في رسم السياسات التقنية.
قانون يُلزم بفصل تام عن الصين
أعادت اللجنة الخاصة بالصين في مجلس النواب الأمريكي التأكيد على أن أي اتفاق بشأن “تيك توك” يجب أن يلتزم بالقانون الذي أُقر العام الماضي، وينص على نزع ملكية شركة “بايت دانس” الصينية بالكامل، وفصل خوارزمية التطبيق عن أي إشراف أو تحكم صيني. ويُعد هذا القانون بمثابة خط أحمر يضمن استقلالية الشركات الأمريكية عن النفوذ الأجنبي، لا سيما في القطاعات الرقمية الحساسة. لكن الإعلان عن “إطار مبدئي” للصفقة، الذي تضمن خفض حصة “بايت دانس” إلى أقل من 20%، أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه النسبة كافية لتحقيق الفصل الكامل. ويرى بعض النواب أن استمرار أي نفوذ صيني في المنصة يشكل خرقًا صريحًا للقانون ويهدد الأمن السيبراني الأمريكي في حال لم يُنفذ الفصل الكامل بين الطرفين.
انقسام جمهوري بين الحذر والدعم
لم تمر الصفقة مرور الكرام داخل الحزب الجمهوري، إذ انقسمت الآراء بين مؤيد يرى أنها حل عملي لتجنب حظر التطبيق، ومعارض يعتبرها التفافًا على إرادة الكونغرس. السيناتور تشاك غراسلي، رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، حذر من أن أي اتفاق لا ينقل الملكية بالكامل لشركة أمريكية سيعد انتهاكًا لنية المشرعين، بينما شدد السيناتور مايك راوندز على أن “تيك توك” لا يزال تهديدًا قائمًا يجب التعامل معه بحسم.
في المقابل، يرى بعض النواب أن الصفقة قد تُخفف من التوتر التجاري مع بكين وتمنح الشباب الأمريكي حرية استخدام التطبيق دون قيود. ويشير مراقبون إلى أن هذا الانقسام يعكس التناقض داخل الحزب بين الخطاب الصارم تجاه الصين والمصالح الاقتصادية المتشابكة مع شركات التكنولوجيا العالمية.
صلاحيات ترمب القانونية تحت المجهر
تزايدت التساؤلات في الأوساط السياسية والقانونية حول مدى أحقية الرئيس ترمب في تمديد المهلة القانونية لبيع “تيك توك” أو تعديل شروط الصفقة، خاصة بعد تجاوزه المدة التي حددها الكونغرس دون اعتراض واضح. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تُضعف مبدأ الرقابة التشريعية على السلطة التنفيذية، في وقت يتعامل فيه المشرعون بحذر مع أي صدام مباشر مع الرئيس. كما يحذر خبراء في القانون الدستوري من أن تمرير الصفقة دون موافقة الكونغرس قد يفتح الباب أمام سابقة تمنح الرئيس سلطة أوسع في ملفات الأمن السيبراني. وبالنسبة للكثيرين، فإن الخلاف لا يتعلق فقط بمستقبل التطبيق، بل بتوازن القوى بين الرئاسة والكونغرس، وبقدرة النظام الأمريكي على ضبط الحدود الفاصلة بين السياسة والتكنولوجيا.
الكونغرس بانتظار رأي الأجهزة الأمنية
رغم الجدل الواسع، فضّل العديد من رؤساء اللجان في الكونغرس التريث قبل إصدار أحكام نهائية بشأن الصفقة. فقد أكد رئيس لجنة الطاقة والتجارة بريت جوثري أنه ينتظر الاطلاع على التفاصيل الكاملة قبل التعليق، لكنه شدد على أن الصين لا تزال خصمًا استراتيجيًا لا يمكن الوثوق به في المجال التكنولوجي. وأشار إلى ضرورة التأكد من أن أي شركة لها علاقة بالحزب الشيوعي الصيني لن تستطيع جمع بيانات المستخدمين الأمريكيين أو التأثير في الرأي العام عبر الخوارزميات.
أما لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ برئاسة السيناتور توم كوتون، فامتنعت عن إصدار بيان رسمي حتى الآن، ما يعكس حالة ترقب حذر داخل الأجهزة المعنية. وبينما تتسع دائرة الجدل، يرى مراقبون أن مصير الصفقة سيتجاوز حدود الكونغرس ليشكل معيارًا عالميًا لطبيعة العلاقة بين الديمقراطيات الغربية وشركات التكنولوجيا الصينية، في مرحلة تتزايد فيها الحروب الرقمية وتتعقد فيها معادلات الأمن القومي والاقتصاد العالمي.



