واشنطن بوست تكشف: كيف يقود سباق الصين نحو “الذهب القذر” موجة نهب بيئي تمتد عبر القارات؟
في أعالي التلال المحيطة بقرية لانتونغ في جزيرة سومباوا الإندونيسية، تبدو الطبيعة وكأنها تتعرض لعملية «حَلْق جماعي». التلال تُجرَّد من أشجارها، والجرافات تشق الصخور الموشّحة بعروق صفراء لامعة، بينما تتجمع سوائل كيميائية معكّرة في أحواض بحجم مسابح أولمبية.
هذه ليست مواقع تعدين رسمية، بل جزء من شبكة واسعة من مناجم الذهب غير القانونية، يديرها – بحسب محققين ومسؤولين – تحالفات تعدين صينية تمتلك المال والعلاقات والنفوذ، وتعمل خارج أي إطار قانوني تقريبًا.
في الوقت نفسه، تسعى بكين إلى جمع أكبر قدر ممكن من الذهب كجزء من استراتيجية لفك الارتباط التدريجي عن الدولار الأمريكي، والتحوّط ضد العقوبات، وتعزيز قدرتها على التأثير في النظام المالي العالمي. هذا السباق المحموم على الذهب، يخلّف وراءه في دول الجنوب العالمي مساحات مدمَّرة من الغابات والأنهار، من إندونيسيا إلى غانا وحتى غويانا الفرنسية، وفق تحقيق موسّع استند إلى صور أقمار صناعية، وبيانات تجارة، ووثائق حكومية، وعشرات المقابلات مع خبراء ومسؤولين في ثلاث قارات.
النتيجة: شبكة عالمية من الذهب «القذر» تُموَّل وتُشغَّل في جزء كبير منها بأموال ومخاطر صينية، بينما تدفع المجتمعات المحلية ثمنًا بيئيًا واجتماعيًا باهظًا.
تعدين بلا تراخيص.. و«مافيا ذهب» في قلب إندونيسيا
في لانتونغ وسكوتونغ وغيرها من القرى النائية، تصف السلطات والسكان ما يجري بأنه «مافيا تعدين».
المستثمرون الصينيون يصلون ومعهم كل شيء:
-
خرائطهم الجيولوجية الخاصة
-
حفارات وكسّارات ومضخات
-
خزانات لاستخلاص الذهب بالسيانيد
كل ذلك من دون تراخيص رسمية، وبتجاهل شبه كامل لوجود الشرطة أو السلطات المحلية. يقول أحد تجار الذهب في لانتونغ، هيرو هيرودين:
«لا نعرف أين يذهب الذهب بالضبط، لكن نعرف شيئاً واحداً: هو بالتأكيد لا يبقى هنا».
السكّان الإندونيسيون كانوا يمارسون لعقود ما يُسمّى «تعدين الشعب» (tambang rakyat)، باستخراج كميات محدودة من الخام بأدوات يدوية وبيعها لتجّار محليين. الدولة أتاحت هذا الهامش ما دام النشاط صغيرًا ويمكن ضبطه.
لكن مع دخول رؤوس الأموال الصينية، تغيّر كل شيء:
-
آلات ضخمة
-
مراكز معالجة على قمم التلال
-
استخدام واسع للسيانيد بدل الزئبق
-
توسع سريع في مناطق التعدين يشمل حتى غابات محمية بحسب وثائق حكومية داخلية.
في سكوتونغ وحدها، اكتشفت السلطات في 2024 واحدًا من أكبر مواقع التعدين غير القانوني في تاريخ البلاد: مساحة تعادل 184 ملعب كرة قدم أمريكية تقريبًا، بإنتاج تقدَّره السلطات بحوالي 5.5 مليون دولار شهريًا من الذهب. ورغم المداهمة، تشير مشاهدات ميدانية لاحقة إلى أن العمل عاد تدريجيًا، وأن الشريط الأصفر للشرطة تمزّق، وعادت الشاحنات المحملة بخام الذهب إلى التحرك في الطرق الجبلية.
من إندونيسيا إلى غانا: خريطة عالمية لذهب غير شرعي
تحقيقات حكومية وتقارير أممية تُظهر أن الظاهرة ليست محصورة في جنوب شرق آسيا. دول عدة تتهم شبكات صينية – أفرادًا وشركات – بالضلوع في تعدين غير قانوني يدمّر الأرض ويهرب الثروة:
-
غانا: أكبر مصدر للذهب في أفريقيا، تقول إن شبكات صينية دمّرت مساحات واسعة من الغابات في الغرب والجنوب، وتتحرك الآن نحو الشمال. مئات الصينيين اعتُقلوا ثم عاد كثير منهم إلى البلاد بعد ترحيلهم، وفق مسؤولين غانيين يشتكون من ضعف التعاون من جانب بكين.
-
الكونغو الديمقراطية: مسؤولون محليون يقدّرون وجود أكثر من 450 مجموعة تعدين صينية غير قانونية في إقليم واحد فقط (كيفو الجنوبي).
-
مالي: رئيس الوزراء استدعى السفير الصيني بعد انهيار منجم غير قانوني مرتبط بمستثمرين صينيين، ما أدى إلى مقتل 48 شخصًا.
-
غويانا الفرنسية: تقرير من مؤسسة فرنسية بحثية يشير إلى أن المستثمرين والتجار الصينيين يشكّلون «حلقة لوجستية حاسمة» في سوق ذهب غير شرعي رغم جهود عسكرية فرنسية مكلفة لمواجهته.
ومع ارتفاع سعر الذهب إلى ما فوق 3,000 دولار للأونصة، حذّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) من أن الجريمة المنظمة، وعصابات المخدرات، وجماعات مسلّحة ومرتزقة باتت ترى في الذهب قناة تمويل مثالية، كثير منها يعمل مع أو عبر شبكات تعدين مرتبطة بالصين، من «المنجم إلى السوق».
سباق استراتيجي على الذهب: من فك الارتباط بالدولار إلى إخفاء المصادر
الصين ليست مجرد لاعب تجاري في الذهب؛ بل تعتبره أصلًا استراتيجيًا.
وفق بيانات مجلس الذهب العالمي، اشترت الصين رسميًا منذ 2002 ما يقرب من 1,800 طن من الذهب، بينما خفّضت الولايات المتحدة وألمانيا احتياطاتهما قليلًا في الفترة نفسها. لكن عدة دراسات مصرفية وبحثية تشير إلى أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير مما تعلنه بكين لصندوق النقد الدولي.
-
محللون في بنوك كبرى مثل غولدمان ساكس لاحظوا أن تقديراتهم لمشتريات البنك المركزي الصيني تفوق الأرقام المعلنة شهريًا بعشرات الأطنان.
-
دراسات مستقلة تشير إلى أن البنك المركزي الصيني قد يكون اشترى مئات الأطنان سراً في 2024 وحدها، ليصل رصيده الفعلي إلى أكثر من ضعفي الرقم الرسمي.
الهدف، كما يراه خبراء، هو:
-
تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار
-
التحوّط ضد العقوبات
-
امتلاك أصل عالمي السيولة يمكن استخدامه في الأزمات
لكن هذه السرّية تخلق مشكلة إضافية: الذهب غير القانوني، بمجرد صهره، يصبح غير قابل للتمييز عن الذهب المستخرج قانونيًا. وهذا يعني أن كميات ضخمة من الذهب المهرب من غابات أفريقيا وانهار إندونيسيا، يمكن أن تدخل بسلاسة في قنوات التوريد التي تنتهي في أكبر مشترٍ في العالم: الصين.
تقديرات متحفظة تضع حجم سوق الذهب غير الشرعي عند أكثر من 400 طن سنويًا، بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار. تقرير لمنظمة «Swissaid» في 2024 وجد أن تهريب الذهب من أفريقيا تضاعف بين 2012 و2022.
أدوات صينية.. وقوانين غائبة
بعكس التعدين الحرفي التقليدي الذي يعتمد على عمالة كثيفة وأدوات بسيطة، تستخدم الشبكات الصينية:
-
حفارات ضخمة
-
خطوط تكسير وسحق عالية السعة
-
خزانات سيانيد وأنظمة رشّ لاستخلاص الذهب من الخام
-
أحياء سكنية للعمال، ومولدات، وشبكات لوجستية كاملة
لكنها في المقابل تتجنب كل ما يثقل كاهل الشركات القانونية:
-
لا تقييم بيئي
-
لا التزام بقواعد السلامة
-
لا ضرائب أو إتاوات تُذكر
-
وغالبًا، حماية عبر الرشى لمسؤولين محليين وقادة أمنيين
مسؤولون إندونيسيون يعترفون بأن الملف لا يتوقف عند القرى النائية؛ بل يمتد «من المجالس القروية وحتى وزارات في جاكرتا»، بحسب أحد محققي هيئة مكافحة الفساد، الذي يصف ما يجري بأنه «نهب في وضح النهار».
في حالات عدة، حتى عندما تصل القضايا إلى القضاء، تنتهي بالبراءة أو أحكام مخففة على المتهمين الصينيين، ثم يختفون، أو يعاودون النشاط في محافظة أخرى.

«تعدين الشعب» أمام رأسمال السيانيد
في سكوتونغ وسومباوا، يحكي السكان عن صدام مباشر بين نمطين من التعدين:
-
تعدين شعبي
عائلات تنطلق بدراجات نارية إلى المنحدرات، تحفر بالمعول، تحمّل أكياس خام قليلة، ثم تعالجها في أحواض بدائية قرب منازلها. -
تعدين صيني غير قانوني واسع النطاق
-
جرافات تفتح طرقًا في الغابات المحمية
-
مطاحن تدور عشرات المرات في الدقيقة
-
أحواض سيانيد هائلة على قمم التلال
-
كميات من الخام لا يستطيع المحليون مجاراتها «ولو عملوا سنوات»، على حد وصف أحد المنقبين الإندونيسيين.
-
«شعرنا أننا مهزومون»، يقول لالو أديميات، ناشط محلي من سكوتونغ.
بعد تصاعد الاحتقان، هاجم سكان محليون سكنًا للعمال الصينيين وأحرقوه، ما دفع السلطات الوطنية للتدخل واكتشاف حجم المنجم الضخم. لكن الغضب الشعبي لم يتحول إلى مساءلة مستدامة؛ فمع مرور الوقت، عاد النشاط تدريجيًا، لتبقى الأثر الدائم:
-
غابات مجرّدة
-
تربة ملوثة
-
أنهار تتغير رائحتها ولونها
-
ماشية تنفق فجأة قرب مجاري السيانيد.
غضب محلي.. وحضور صيني لا يلين
في قرية لانتونغ، يقف سابودّين، المنقّب البسيط، على حافة جرف يشرف على التلال المحيطة. يشير بيده:
«كل ما تراه هناك… هذا التل، والذي بجواره، والبعيد… كل الأراضي العارية هذه للصينيين.»
سابودّين يمارس «تعدين الشعب» بأدوات بدائية، أحيانًا يحاول استخراج بقايا الخام من حفر هجرتها الجرافات الصينية، لكنه يرفض العمل معهم:
«هم يعملون بشكل غير قانوني، ولا أريد أن أتورط معهم.»
ومع ذلك، يعترف بشيء من الحسرة الممزوجة بالدهشة أنه لم ير في حياته مشروعًا بهذا الحجم: مهاجع بسطوح معدنية، أضواء لا تنطفئ ليلًا، آلات لا تتوقف عن الطحن، وشاحنات لا تكفّ عن الصعود والهبوط في الطرق الجبلية.
ثم يضيف بجملة تلخص شعوره بالعجز:
«نحن لا نستطيع تشغيل منجم كهذا… لا أحد هنا يستطيع. فقط الصينيون.»








