واشنطن بوست: هل تلاشت «أمريكا أولاً»؟ مخاوف داخل قاعدة ترامب من تغيّر بوصلته السياسية
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة متزايدة من القلق بين أنصاره، الذين يرون أن سياساته في ولايته الثانية لم تعد تعكس شعار «أمريكا أولاً» الذي أوصله إلى البيت الأبيض. فبين عشاءات فاخرة مع كبار أثرياء وول ستريت، وتجديدات فخمة للبيت الأبيض في وقت يعاني فيه ملايين الأمريكيين من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد انخراطه في الأزمات الدولية، يبدو أن الرئيس يبتعد تدريجياً عن خطابه الشعبوي الذي وعد به قاعدته.
ترامب، الذي عاد إلى الحكم متعهداً بتجنب الانخراط الخارجي وتركيز جهوده على تحسين حياة الأمريكيين، أثار انتقادات واسعة بعد دعمه منح تأشيرات للعمالة الماهرة الأجنبية، وقراره الموافقة على حزمة إنقاذ مالي بقيمة 20 مليار دولار لصالح الأرجنتين، في وقت كانت فيه الحكومة الأمريكية متوقفة عن العمل بسبب الإغلاق الحكومي.
ويقول جمهوريون مقرّبون من حركة MAGA إن خطاب ترامب أصبح مشوشاً، خصوصاً مع استمرار الكشف عن ملفات جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، وهو ملف حاول ترامب مراراً إغلاقه سياسياً. رفضه لنشر ملفات إضافية أثار غضباً داخل جزء من قاعدته، التي طالبت لسنوات بالكشف الكامل عن المتورطين في شبكة إبستين.

انقسام داخل «الحركة»
النائب الجمهوري المحافظ توماس ماسي لخص غضب جزء من القاعدة بقوله:
«حين يحمون المتحرشين بالأطفال، وحين يهدرون المال، ويشعلون الحروب، لا يمكنني الصمت. وحتى أكثر مؤيّدي ترامب أصبحوا يرون ذلك».
وتتعالى المخاوف أيضاً بسبب تبدل أولويات ترامب، الذي بات يقضي وقتاً أكبر مع مليارديرات ومستثمرين، ويظهر اهتماماً طاغياً بالملفات الخارجية. بعض مساعديه يحذرونه من أن ظهوره في اجتماعات عالمية مثل منتدى دافوس الاقتصادي سيمنحه صورة «نخبوية» تتناقض مع رسالته الشعبوية.
خلال فترة الإغلاق الحكومي، في الوقت الذي كان ملايين الموظفين بلا رواتب، ركّز ترامب على حفلات فاخرة، وجلسات عرض لمشروع قاعة الرقص الذهبية، ومناسبات اجتماعية أثارت انتقادات واسعة.

رسالة البيت الأبيض: لا تغيير في المسار
المتحدثة باسم البيت الأبيض أكدت أن «ترامب، بصفته مهندس حركة MAGA، سيواصل وضع أمريكا أولاً».
لكن إجراءات الرئيس الأخيرة تطرح علامات استفهام لدى مؤيّدين كانوا يأملون تركيزاً أكبر على الأسعار، وإصلاح الرعاية الصحية، وخطط الإسكان—وهي ملفات تعثرت أو لم تتقدم بالمستوى المتوقع.
كما أثارت تصريحاته عن استقباله المزيد من الطلاب والعمال الصينيين المهرة جدلاً بين أنصار التشدد في ملف الهجرة، وهو أحد أهم أسباب صعوده السياسي منذ 2016.

شعبية تتراجع وضغوط انتخابية
أحدث استطلاعات AP-NORC تظهر تراجعاً في شعبيته إلى 33%، مع انخفاض التأييد داخل الحزب الجمهوري من 81% إلى 68% خلال أشهر قليلة—وهي إشارات يقلق منها الاستراتيجيون الجمهوريون قبل انتخابات منتصف الولاية.
ويحذر محللون من أن الرئيس يخاطر بخسارة جزء من تحالفه الانتخابي إذا لم يعد إلى الملفات الاقتصادية التي تهمّ المواطن العادي، خصوصاً بعد انتصارات الديمقراطيين الأخيرة استناداً إلى خطاب «كلفة المعيشة».
ومع ذلك، ترامب يرفض فكرة وجود شرخ داخل حركته. ففي مقابلة مع لورا إنغراهام قال:
«لا تنسوا، MAGA فكرتي. وأنا أعرف ما تريده الحركة أكثر من أي أحد».

بين صورة الزعيم العالمي ورجل الشارع
الخط الفاصل بين «الزعامة العالمية» و«الشعبوية المحلية» يتلاشى داخل البيت الأبيض. ترامب يؤكد أنه «لا خيار أمام رئيس أمريكا إلا أن يراقب العالم»، وأن التفاعل مع الأزمات الخارجية جزء من حماية الداخل.
لكن خصومه داخل اليمين يقولون إنه ابتعد عن برنامجه، وأصبح أقرب إلى طبقة النخبة التي هاجمها دائماً، وهو ما لخّصه مسؤول سابق في وزارة شؤون المحاربين القدامى بقوله:
«الخطابات الشعبوية كانت وسيلة للوصول إلى السلطة، لكن بعد الفوز… تسقط الأقنعة».
الصراع داخل «ترامبية 2025» يبدو أنه يدخل مرحلة حاسمة، وقد يحدد مسار ترامب السياسي في العامين المقبلين



