نهاية حرس الصين القديم… لماذا لم يعد شيوخ الحزب قادرين على كبح شي جين بينغ؟

على مدار العام الماضي، امتلأت بكين بشائعات غريبة:
شي جين بينغ مريض… شي فقد سلطته… الرجل الذي يظهر علنًا “شبيه” به… و”شيوخ الحزب” العجائز هم من يديرون الصين من وراء الستار، مثلما فعل دنج شياو بينغ قديمًا.
هذه الروايات تمنح المواطنين الغاضبين من سياسات شي بعض الأمل: ربما يتدخل “الكبار” ويصححون المسار كما حدث بعد ماو.
لكن المقال يؤكد بوضوح: عصر الشيوخ الأقوياء في الصين انتهى، وشي عمليًا فكك كل أدوات نفوذهم.
شائعات “الشبيه” وتحالف الشيوخ… خيال سياسي في نظام مغلق
في الأنظمة السلطوية، خصوصًا قبل اجتماعات مفصلية كـ الدورة الرابعة للجنة المركزية للحزب، تنتشر الشائعات لأن مراكز القوة الحقيقية غامضة.
وفي الصين اليوم، تدور كل هذه القصص حول فكرة واحدة:
أن هناك حرسًا قديمًا من قادة الحزب المتقاعدين لا يزالون قادرين على:
توجيه مسار السياسة
تقييد سلطة شي
أو حتى الضغط لعزله إن لزم الأمر
هذا التصور يستند إلى التاريخ:
ففي الماضي، لعب “شيوخ الحزب” دورًا حقيقيًا في إزاحة قادة، وتثبيت آخرين، وحسم قرارات كبرى مثل قمع احتجاجات تيانانمين عام 1989.
لكن الكاتب يؤكد أن ما يصلح لتفسير الصين في الثمانينيات لا يصلح اليوم:
هؤلاء الشيوخ لم يعودوا مؤثرين، لا مؤسسيًا ولا سياسيًا ولا أخلاقيًا.
من ماو إلى دنج… حين حكمت “مجلس الشيوخ غير المعلن” الصين
بعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1976، واجه الحزب فراغًا قياديًا.
برز على السطح قادة كبار شاركوا في الثورة الشيوعية، مثل:
دنج شياو بينغ
تشن يون (العقل الاقتصادي)
يي جيان ينغ (المشير والمؤسس العسكري)
قوة هؤلاء لم تكن فقط في مناصبهم السابقة، بل في:
شرعية الثورة: شاركوا في تأسيس الدولة
شبكات الولاء في الجيش
قدرتهم على صياغة الرواية الرسمية لتاريخ الحزب
ولإعطاء هذا النفوذ غطاءً مؤسسيًا، أُنشئت لجنة الاستشارات المركزية في أوائل الثمانينيات، كـ “غرفة عليا” غير رسمية تعطي الشيوخ منصة للتأثير في:
اختيار القيادات
رسم السياسات
تعديل اتجاه الدولة عند اللزوم
بهذا الشكل، استطاع دنج ورفاقه:
إزاحة خليفة ماو، هوا جووفنج، عام 1979
دعم قرار استخدام الجيش لقمع احتجاجات 1989
كانوا بالفعل “مجلس رقابة ثوري” فوق القيادة الرسمية.
تآكل نفوذ الحرس القديم: الزمن تغيّر… والجيل تغير
لكن نفس الظروف التي منحت الشيوخ قوتهم، حملت بذور نهايتهم:
رحيل جيل الثورة:
الجيل الأول من القادة (مؤسسو الدولة) ماتوا أو عجزوا، ولم يأتِ بعدهم من يحمل نفس الشرعية الثورية.
الجيل الثاني والثالث كانوا أقرب إلى “بيروقراطيين محترفين” لا إلى “آباء مؤسسين”.
إلغاء لجنة الاستشارات المركزية عام 1992:
تم التخلص من الآلية الرسمية التي كانت تمنح الشيوخ منصة شرعية للتأثير.
فرض سن تقاعد وحدود زمنية للمناصب:
هذه القواعد حدّت من قدرة القادة المتقاعدين على البقاء لاعبين سياسيين حقيقيين بعد خروجهم من السلطة.
الجيش لم يعد ملعب الشيوخ
قدرة الشيوخ قديمًا جاءت أيضًا من نفوذهم داخل الجيش.
تقليص عدد القوات عام 1985
ثم إصلاحات شي عام 2015 التي أعادت تنظيم الجيش في قيادات مسرحية إقليمية
وتركيز السلطة في اللجنة العسكرية المركزية تحت قيادة شي شخصيًا
كلها عوامل قطعت الطريق على أي قائد عسكري (حالي أو متقاعد) ليبني لنفسه مراكز قوة مستقلة يمكن أن تستخدم في كبح الزعيم.
شي جين بينغ يغلق الأبواب: حملة الفساد كسلاح ضد الشبكات
الضربة القاضية لسلطة الشيوخ جاءت مع صعود شي جين بينغ إلى رأس الحزب عام 2012.
ما الذي فعله شي؟
أطلق حملة واسعة ضد الفساد
استهدفت رجال أمن، قادة جيش، ومسؤولين في قطاعات حساسة كـ الطاقة والمال
النتيجة: تفكيك شبكات الولاء التي كانت تربط بين النخبة الحاكمة والجيل المتقاعد
قيود على التصريحات العامة
منع التعليق على سياسات القيادة الحالية
مراقبة اللقاءات والولائم بين الشيوخ واعتبارها “قضية أمن سياسي”
تحولت زيارات الرفاق القدامى لبعضهم من طقس سياسي عادي… إلى فعل محفوف بالريبة والمخاطرة.
بهذا، جففت قيادة شي أي قناة كان يمكن أن يستخدمها الشيوخ للتأثير الحقيقي.
اليوم، يظهر الشيوخ في المناسبات الرسمية، يجلسون في الصفوف الأولى، يتلقون إحاطات مغلقة… لكن هذا كله بلا أنياب سياسية.
بيروقراطية جامدة وضغوط خارجية… بدائل ضعيفة لفرملة الزعيم
إذا غاب “مجلس الشيوخ غير المعلن”، فما الذي يمكن أن يكبح زعيمًا مهيمنًا مثل شي؟
الكاتب يذكر 3 مصادر “جزئية” للضغط:
البيروقراطية:
يمكنها إبطاء التنفيذ
تعقيد الإجراءات
التخفيف من حدة بعض القرارات
لكنها لا تملك حق الفيتو.
مصالح النخبة نفسها:
المسؤولون لا يحبون المخاطرة المفرطة التي قد تدمر مستقبلهم، فيميلون لتجنب القرارات الانتحارية، لكنهم لا يملكون قدرة سياسية مستقلة.
الضغوط الخارجية:
حرب تجارية مع الولايات المتحدة
عقوبات وتقييد صادرات التكنولوجيا
دفعت شي إلى:
تنويع الشركاء
دعم بعض الشركات الخاصة لتعزيز الاكتفاء التكنولوجي
لكن كل هذا يبطئه فقط، لا يغير مساره جذريًا.
نموذج السلطة الجديد: قوة بلا توازن… ونظام أكثر هشاشة
في عهد دنج وجيانغ وزعماء سابقين، كان ميزان القوة يعمل هكذا:
زعيم في القمة
وشيوخ سابقون يملكون ما يكفي من الشرعية والنفوذ ليقولوا له: “توقف” أو “غيّر الاتجاه”
هذا خلق نوعًا من توازن غير مكتوب داخل قمة النظام، يسمح بـ:
نقاش حقيقي في الأزمات
وصول معلومات غير مصفّاة للقيادة
تصحيح المسار قبل الكارثة
اليوم، في عهد شي:
السلطة تسير في خط واحد رأسي
المعلومات تصعد للأعلى
والأوامر تنزل للأسفل
لا يوجد “ندّ” في القمة يستطيع أن يجادله من موقع قوة أو شرعية.
مثال كورونا: كيف تتحول الأخطاء إلى كوارث
يتساءل الكاتب:
لو كان هناك حرس قديم قوي في زمن كورونا:
ربما كانوا سينقلون الإنذارات مبكرًا
وربما كانوا سيدفعون شي لتخفيف سياسة “صفر كوفيد” قبل انفجار الغضب الشعبي
غياب هذا التوازن جعل القرارات:
أبطأ في التعديل
وأقل قابلية للنقاش
وأكثر عرضة لتحويل أزمة قابلة للإدارة إلى خطر منظماتي كبير
ما بعد شي… لا عودة إلى “حكم الشيوخ”
حتى لو جاء زعيم جديد بعد شي وقرر أن يحكم بأسلوب أكثر جماعية، يشير الكاتب إلى أن:
جيل الشيوخ التالي لا يملك الشرعية الثورية القديمة
ولا شبكات النفوذ داخل الجيش
ولا البنية المؤسسية التي كانت تمنح “الحرس القديم” وزنًا حقيقيًا
بمعنى آخر:
المؤسسة الحزبية تغيرت هيكليًا، ولن يعود نموذج “شيوخ الحزب المنقذين” حتى لو تغيّر الشخص في القمة.
الخلاصة: نظام قوي من الخارج… لكن قابل للكسر من الداخل
الصورة التي يرسمها المقال للنظام الصيني اليوم هي:
زعيم شديد القوة
بيروقراطية ضخمة لكنها منضبطة عموديًا
غياب تام لمراكز قوة نِدّية داخلية
هذا يجعل الصين تبدو مستقرة… لكنه في الحقيقة يجعل النظام أكثر هشاشة، لأنه يفتقد للأدوات الداخلية التي تمنع الأخطاء الفردية من التحول إلى أزمات كبرى.
باختصار:
حرس الصين القديم انتهى سياسيًا.
وما كان يومًا صمام أمان غير مكتوب داخل الحزب الشيوعي، أصبح اليوم مجرد صور لشيوخ في الصف الأول… بلا تأثير حقيقي على مسار أخطر قرارات الدولة



