غيابات لافتة في وداع ديك تشيني: جنازة رسمية تكشف انقسامات السياسة الأمريكية
شهدت كاتدرائية واشنطن الوطنية يوم الإثنين مراسم تشييع نائب الرئيس الأمريكي الأسبق ديك تشيني، في حدث حمل طابعًا رسميًا لافتًا وسط أجواء سياسية مشحونة. وجمعت الجنازة عددًا من الشخصيات الدبلوماسية والرموز السياسية، من بينهم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن والرئيس جو بايدن، إلى جانب نائبَي الرئيس السابقين كامالا هاريس ومايك بنس، ما منح المناسبة ثقلًا بروتوكوليًا يعكس مكانة تشيني في الحياة السياسية الأمريكية. كما حضرت لورا بوش وجيل بايدن، في حين غاب بيل وهيلاري كلينتون، إضافة إلى باراك وميشيل أوباما، وهو غياب أثار موجة من التحليلات حول دلالاته في لحظة تتشابك فيها الحسابات السياسية مع الرمزية العامة. هذا المشهد المتناقض بين الحضور الرفيع والغياب اللافت جاء ليعيد النقاش حول خطوط التماس القائمة داخل واشنطن، ومدى تأثير العلاقات الشخصية على تقاليد رسمية عادة ما تلتزم طابعًا وحدويًا.


استبعاد لافت لترامب وغياب يخلخل الأعراف التقليدية
أفادت تقارير أمريكية بأن الرئيس دونالد ترامب والسيناتور الجمهوري جي دي فانس لم يتلقيا دعوة لحضور الجنازة، في خطوة غير معتادة في بروتوكول الجنائز الرسمية لشخصيات من وزن ديك تشيني. ويُنظر لهذا الاستبعاد على أنه مؤشر على القطيعة بين عائلة تشيني والتيار المرتبط بترامب، خصوصًا بعد المواقف العلنية التي تبناها تشيني ضد ترامب، محملًا إياه مسؤولية الخطاب الذي سبق أحداث اقتحام الكابيتول في 6 يناير. وفي ظل هذا الغياب المتعمد، بدا أن الجنازة تحولت إلى ساحة جديدة لتعكس الانقسام السياسي الحاد داخل الحزب الجمهوري، حيث يبرز التوتر بين الجيل التقليدي المحافظ والتيار الشعبوي الذي صعد بقوة خلال عهد ترامب. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة سجالات مستمرة حول دور ترامب السياسي في المرحلة المقبلة، ما يجعل كل إشارة أو غياب حدثًا يقرأه المراقبون في إطار معركة النفوذ داخل واشنطن.

جورج بوش: شهادة وفاء لرجل «هادئ وواثق»
قدم الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن كلمة مؤثرة خلال الجنازة، مستعيدًا سنوات عمله مع ديك تشيني داخل البيت الأبيض، وواصفًا إياه بأنه «رجل صامد» يتمتع بصلابة فكرية وهدوء نادر في عالم يميل إلى الصخب والمنافسة. وأشاد بوش بقدرة تشيني على الاستماع العميق واتخاذ المواقف الصعبة دون تردد، معتبرًا أنه كان شريكًا حقيقيًا في القرارات التي شكلت مرحلة مهمة في السياسة الأمريكية، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر وما تبعها من تحولات كبرى. وجاءت كلمات بوش لتسلط الضوء على شخصية مثيرة للجدل لكنها محورية في تاريخ الإدارة الأمريكية، حيث ظل تشيني أحد أكثر الرجال نفوذًا في السياسة الداخلية والخارجية. هذا التقدير العلني أعاد التذكير بدور تشيني في صياغة سياسات الأمن القومي، وأبرز مكانته داخل التيار الجمهوري التقليدي، في وقت تتراجع فيه أصوات كثيرة من هذا التيار أمام صعود الخطاب الشعبوي.

مشاهد متزامنة: ملفات إبستين واعتقالات شارلوت تعيد واشنطن إلى واقعها
تزامن الحدث مع اجتماعات حساسة عقدها ناجون من فضيحة جيفري إبستين مع وزارة العدل الأمريكية، مطالبين بالكشف الكامل عن الملفات المتعلقة بالقضية التي تشغل الرأي العام منذ سنوات. هذا الحراك أعاد فتح نقاشات حول نفوذ الشخصيات المرتبطة بالقضية وقدرة الإعلام والضغط الشعبي على دفع العدالة نحو الشفافية. وفي موازاة ذلك، شهدت مدينة شارلوت عمليات اعتقال واسعة في ملف الهجرة، ما أعاد تسليط الضوء على التوترات المرتبطة بالسياسات الداخلية في الولايات المتحدة. ومع تعدد هذه الملفات، بدا أن جنازة تشيني، رغم رمزيّتها، لم تستطع أن تحجب حجم التوتر السياسي والاجتماعي القائم، بل شكّلت خلفية لتذكير الأمريكيين بأن الانقسامات تمتد من السياسة العليا وصولًا إلى الملفات القضائية والاجتماعية المتداولة يوميًا، في مشهد يعكس مزيجًا من الرمزية والواقع المتزاحم.



