الإثنين.. ضغوط دولية في COP30 للتخلي عن الوقود الأحفوري وتسريع تمويل التكيف
في اليوم الرابع من قمة المناخ COP30، ازدادت حدة النقاشات حول مستقبل الطاقة العالمية، بعدما دعا الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، الإثنين، إلى التفكير بجدية في كيفية العيش دون الوقود الأحفوري، محذرًا من أن العديد من الدول لم تعد قادرة على تحمل تبعاته الاقتصادية والمناخية. دعوته ترافقت مع تحذير صارم من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الذي أكد أن التعهدات الحالية لخفض الانبعاثات تقود العالم نحو ارتفاع تتجاوز درجتين مئويتين، وهو ما وصفه بـ”حكم بالموت” لملايين البشر. وبين مطالبات بتوسيع التمويل، ونقاشات حول ضريبة اللحوم، وتوترات سياسية بين الدول الغنية والنامية، تبدو القمة أمام اختبار حقيقي يحدد قدرة المجتمع الدولي على اتخاذ خطوات ملموسة تمنع تفاقم الأزمة المناخية، وتدعم الدول الأكثر هشاشة في مواجهة تحديات التحول الأخضر.

العيش دون الوقود الأحفوري
شدّد الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا على أن العالم يقف اليوم أمام لحظة حاسمة تتطلب تغييرًا جذريًا في طريقة التفكير في الطاقة والتنمية، مؤكدًا أن الاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار بالنسبة للدول الفقيرة التي تواجه عبئًا مضاعفًا نتيجة الانبعاثات المتولدة من الدول الصناعية. وأوضح لولا أن الانتقال إلى نماذج اقتصادية قائمة على الطاقة المتجددة ليس مجرد مبادرة بيئية، بل ضرورة عملية لضمان استقرار اقتصادي طويل الأمد وتقليل المخاطر المناخية. وأشار إلى أن التفكير في كيفية العيش دون الوقود الأحفوري يفتح الباب أمام فرص جديدة في مجالات التكنولوجيا الخضراء وخلق الوظائف وحماية الموارد الطبيعية. كما دعا المجتمع الدولي إلى تعزيز التعاون وتقديم دعم مالي وتقني يمكّن الدول النامية من تنفيذ التحول دون أن تتحمل تكاليف تفوق قدراتها أو تهدد توازنها الاجتماعي.
تحذيرات أممية من ارتفاع الحرارة
أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس تحذيرًا شديد اللهجة خلال جلسات القمة، مؤكدًا أن التزامات الدول الحالية لخفض الانبعاثات لا تزال بعيدة عن المستوى المطلوب لإنقاذ الكوكب من ارتفاع كارثي في درجات الحرارة. وأوضح أن المسار الحالي سيقود إلى ارتفاع يتجاوز درجتين مئويتين، وهو مستوى كفيل بإحداث موجات غير مسبوقة من الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف والعواصف العاتية، فضلًا عن ارتفاع كبير في معدلات النزوح البشري. وأكد غوتيريس أن هدف 1.5 درجة ما زال قابلاً للتحقيق، لكنه يتطلب إجراءات جذرية خلال السنوات الخمس المقبلة، وتعاونًا أوسع بين الدول الصناعية والنامية. كما دعا إلى تسريع الابتكار في الطاقة المتجددة، والاستثمار في البنية التحتية الخضراء، وتبني سياسات أكثر جرأة لخفض الانبعاثات، محذرًا من أن التأخير سيجعل العودة إلى المسار الصحيح أكثر صعوبة وكلفة ويعرض ملايين البشر لأخطار لا يمكن توقع مداها.
تمويل التكيف.. الفجوة الأكثر إلحاحًا
عاد ملف تمويل التكيف ليشكل أحد أعقد القضايا المطروحة في مؤتمر COP30، إذ شدد غوتيريس ومسؤولون أمميون آخرون على أن الدول الفقيرة لا تستطيع مواجهة آثار التغير المناخي دون دعم مالي كبير ومستدام، خاصة في ظل ارتفاع حجم الخسائر سنويًا. وأكدت الوفود المشاركة أن التمويل المتاح حاليًا غير كافٍ وغير فعال في سرعته وآليات صرفه، مما يعرقل تنفيذ مشاريع ضرورية لتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الفيضانات والجفاف وارتفاع منسوب البحار. وفي خضم هذه النقاشات، حذّرت بلجيكا من المخاطر القانونية المرتبطة بخطط استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل دعم أوكرانيا، معتبرة أن هذه الخطوة قد تنعكس سلبًا على أي إطار دولي لضمان التمويل المستدام. وتخشى دول عدة من أن تعمّق هذه الخلافات فجوة الثقة بين الشمال والجنوب، مؤدية إلى تباطؤ الاتفاق على آلية تمويل مستقرة وعادلة، وهو ما قد يؤثر على قدرة ملايين البشر على التكيف خلال العقد المقبل.
ضريبة اللحوم والانتقال العادل
أثار النقاش حول اقتراح فرض ضريبة على اللحوم اهتمامًا واسعًا داخل القمة، إذ اعتبره بعض الخبراء خطوة مهمة للحد من الانبعاثات الناتجة عن قطاع الزراعة، خاصة أن جزءًا كبيرًا من انبعاثات البرازيل مرتبط بإزالة الغابات لإفساح المجال أمام المراعي الزراعية. وأوضح المتحدثون أن فرض ضريبة كهذه يمكن أن يسهم في تقليل الانبعاثات وتوجيه المستهلكين نحو خيارات أكثر استدامة وتمويل مشاريع تدعم المنتجات النباتية. لكن الفكرة أثارت جدلًا واسعًا بسبب مخاوف اقتصادية واجتماعية تتعلق بتأثيرها على أسعار الغذاء ودخول المزارعين. كما تتزامن هذه النقاشات مع معارضة واضحة من الدول المنتجة للنفط مثل السعودية وروسيا لأية إجراءات تستهدف تقليص دور الوقود الأحفوري في أسواق الطاقة. ويبرز هذا التداخل بين المصالح الاقتصادية والالتزامات البيئية حجم التحديات التي تواجه القمة في صياغة سياسات انتقال عادل تراعي حماية المناخ دون الإضرار بالاقتصادات الوطنية التي تعتمد على قطاعات حساسة.


الطريق الشاق نحو اتفاق شامل
ومع اقتراب ختام مؤتمر COP30، يتضح أن الطريق نحو اتفاق شامل ما يزال مليئًا بالعقبات، خصوصًا في ظل التباين الواسع بين الدول الغنية والنامية بشأن التمويل وتقاسم المسؤوليات المتعلقة بخفض الانبعاثات. فبين دعوات لولا لتسريع التخلي عن الوقود الأحفوري، وتأكيد غوتيريس على ضرورة الالتزام بهدف 1.5 درجة، وتجدد المقترحات حول ضرائب اللحوم وتمويل التكيف، يبدو أن القمة تسير في مسار معقد يتطلب تنازلات من جميع الأطراف. ورغم تشاؤم البعض بشأن إمكانية تحقيق تقدم كبير، يرى آخرون أن الظروف المناخية المتدهورة والضغط الشعبي المتصاعد قد يدفعان الدول إلى التوصل إلى حلول وسط. ويبقى التحدي الأكبر هو صياغة آليات عملية تمنح الدول النامية الدعم الذي تحتاجه لمواجهة التغيرات المناخية، وتعيد تشكيل النظام المناخي العالمي بصورة تحقق العدالة والاستدامة، وتضمن عدم ترك أي دولة خلف الركب في معركة حماية الكوكب خلال العقود المقبلة.



