زيلينسكي يرفض التنازلات ويؤكد: روسيا يجب أن تدفع ثمن الحرب

خطاب حاد اللهجة أمام البرلمان السويدي، شدد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن أي خطة سلام لإنهاء الحرب يجب أن تعتمد مبدأ محاسبة روسيا بالكامل كطرف معتدٍ، مؤكداً أن استخدام الأصول الروسية المجمّدة جزء أساسي من أي اتفاق مقبول. وجاء ذلك في وقت تشهد فيه المفاوضات بين كييف وواشنطن تحولات بالغة الحساسية، بعد الضجة التي أثارتها مسودة خطة السلام الأمريكية المكونة من 28 بنداً، والتي سُربت الأسبوع الماضي وأظهرت ميلاً واضحاً نحو المطالب الروسية.
زيلينسكي رفض بشكل قاطع أي تنازل عن الأراضي، معتبراً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى للحصول على “اعتراف قانوني” بما استولى عليه بالقوة، في محاولة لكسر مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها. هذا الموقف يأتي بعد سلسلة اجتماعات مكثفة بين مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين في جنيف، انتهت – بحسب بيان مشترك – إلى “تقدم جوهري” وصياغة نسخة “محدّثة ومُنقّحة” من الخطة، رغم أن تفاصيل التعديلات لم تُعلن بعد.
وفي الوقت ذاته، تؤكد موسكو أنها لم تتسلم أي نسخة رسمية محدثة من المقترح، بينما تستمر بالتلميح إلى أن ما يجري في الكواليس لا يزال غير واضح بالنسبة لها. وبينما أعربت واشنطن وكييف عن استمرار التشاور، دخلت العواصم الأوروبية على خط الأزمة بمواقف متباينة؛ إذ اعتبر وزير الخارجية الألماني أن التعديلات التي تم إجراؤها حتى الآن تمثل “نجاحاً حاسماً”، بعدما تم حذف البنود المتعلقة بحلف الناتو والقضايا الأوروبية. في المقابل، شددت فنلندا على وجود “قضايا لم تُحسم”، بينما طالبت المجر بقبول الخطة الأصلية “كاملة ودون شروط”، معتبرة أنها “الفرصة الأهم لإنهاء الحرب”.
وإلى جانب الجدل الأوروبي، اندلع نقاش داخل الولايات المتحدة بشأن الجهة التي صاغت الخطة في نسختها الأولى، بعد أن ادعى بعض أعضاء مجلس الشيوخ أنها أقرب “لقائمة رغبات روسية” منها لمبادرة أمريكية. لكن وزير الخارجية ماركو روبيو نفى تلك الادعاءات بشكل قاطع، مؤكداً أن الخطة “أمريكية المنشأ” وإن كانت مستندة إلى مدخلات من الطرفين.
تزامن ذلك مع انتقادات جديدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقيادة الأوكرانية، متهماً إياها بعدم إبداء “الامتنان” للجهود الأمريكية، ومذكّراً بأنه منح زيلينسكي مهلة تنتهي في 27 نوفمبر لإعلان موقفه من الخطة. ورغم إشارته إلى إمكانية تمديد المهلة إذا “سارت المفاوضات بشكل جيد”، فإن الضغوط السياسية على كييف تتزايد، فيما وصف زيلينسكي هذا الوضع بأنه “لحظة مفصلية” في تاريخ بلاده بين الحفاظ على الكرامة أو خسارة الشريك الاستراتيجي الأهم.
ورغم الجدل السياسي، يبقى جوهر الخلاف متركزاً حول البنود المتعلقة بالأراضي. فالمسودة المسربة تضمنت اعترافاً أمريكياً – لأول مرة – بسيطرة روسيا “فعلياً” على القرم ولوغانسك ودونيتسك، مع تحويل أجزاء من دونيتسك الخاضعة حالياً لأوكرانيا إلى “منطقة منزوعة السلاح” معترف بها دولياً كأرض روسية. محللون اعتبروا ذلك أخطر بند في الخطة، لكون دونيتسك أكثر الجبهات تحصيناً في الدفاع الأوكراني، وفتحها سياسياً أو عسكرياً قد يمنح موسكو “البوابة نحو وسط أوكرانيا”.
التقييمات الأمريكية تشير إلى أن روسيا قد تحتاج إلى ما بين 635 و720 يوماً للاستيلاء على بقية دونيتسك بالقوة، بينما يعتقد آخرون أن التقدم سيكون أبطأ بكثير بسبب التحصينات الأوكرانية الحالية. ووفق خبراء في العلاقات الدولية، فإن دونباس ليست فقط منطقة ذات أهمية عسكرية، بل تمثل قلب الصناعة الأوكرانية وتضم أراضي زراعية واسعة ومخزونات معدنية مهمة، ما يجعلها هدفاً استراتيجياً لموسكو.
ويرى محللون غربيون أن أي تنازل في دونيتسك أو لوغانسك سيعزز السردية التي يعتمد عليها بوتين داخلياً حول “حماية الناطقين بالروسية”، ويمنح روسيا موقع قوة في أي هجوم مستقبلي. وفي الوقت ذاته، تخشى كييف أن تتحول “التسوية المؤقتة” إلى وضع دائم يمنح موسكو فرصة لإعادة تجميع قواتها واستغلال الهدنة لشن هجمات جديدة.
ومع استمرار الضغوط الأمريكية والمواقف الأوروبية المتضاربة، يبدو أن أوكرانيا تواجه إحدى أعقد لحظات الحرب منذ بدايتها. فبين التسوية التي قد تُفقدها مناطق استراتيجية، وبين استمرار الحرب تحت وطأة الخسائر البشرية والتراجع العسكري، يقف زيلينسكي أمام خيارين كلاهما مرّ، بينما تبقى ملامح الاتفاق النهائي غامضة، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج حاسمة في مسار مفاوضات السلام.



