فرنسا تعيد إطلاق الخدمة العسكرية الطوعية: خطوة دفاعية تعيد رسم الأمن الأوروبي

تشهد فرنسا تحولًا لافتًا في استراتيجيتها الدفاعية مع إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون إطلاق برنامج خدمة عسكرية طوعية يمتد لعشرة أشهر ويستهدف فئة الشباب بين 18 و19 عامًا. يأتي هذا القرار في لحظة أوروبية شديدة الحساسية، حيث تتصاعد التهديدات الروسية وتتزايد الهجمات الهجينة التي تستهدف البنى التحتية الحيوية في القارة. وفي ظل حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب، تتحرك دول الاتحاد الأوروبي لإعادة بناء قدراتها الدفاعية بصورة أكثر استقلالية. ويشير طرح باريس إلى إدراك متنامٍ بأن أمن أوروبا لم يعد قابلًا للاتكال الكامل على الشركاء الخارجيين. فالخطوة ليست مجرد برنامج تدريبي، بل تعبير عن تحوّل عميق في العقيدة العسكرية الفرنسية، يهدف إلى بناء قاعدة واسعة من الشباب المؤهلين للانضمام إلى الاحتياط عند الضرورة، ما يعني إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع في سياق الدفاع الوطني.
ماكرون يعلن الانطلاق: مواجهة «تهديدات متسارعة»
في خطاب ألقاه أمام وحدات الجيش في جبال الألب، اعتبر الرئيس إيمانويل ماكرون أن فرنسا تدخل مرحلة جديدة من التحديات التي لا يمكن التعامل معها بالطرق التقليدية، مشددًا على أن البرنامج الجديد يأتي استجابة لواقع أمني «أكثر قسوة وتعقيدًا». وأكد أن الخدمة ستبدأ منتصف عام 2026 بهدف تعزيز الجاهزية الدفاعية وخلق جيل قادر على تحمّل مسؤولية حماية البلاد. وقال بلهجة حاسمة: «فرنسا لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي… نحتاج تعبئة». ويعكس الخطاب رؤية متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الفرنسية بأن مواجهة التهديدات الروسية تتطلب استعدادًا بشريًا واسعًا، يتجاوز المكونات الاحترافية الحالية للجيش. كما يهدف البرنامج إلى خلق رابط أكبر بين المجتمع والمؤسسة العسكرية بعد سنوات من تراجع الاهتمام الشعبي بالخدمة الوطنية، في محاولة لإعادة صياغة مفهوم الانتماء الوطني ضمن بيئة أمنية أوروبية غير مستقرة.

تفاصيل البرنامج: طوعية كاملة وحوافز موسّعة
يعتمد البرنامج الجديد على نموذج يقوم على الخدمة الطوعية بالكامل، بحيث يمتد لمدة عشرة أشهر تشمل تدريبًا عسكريًا، وإقامة كاملة، ووجبات غذائية، إضافة إلى راتب شهري يبلغ 800 يورو وخصم بنسبة 75% على تذاكر القطارات. ويستهدف الشباب بين 18 و19 عامًا، مع إمكانية فتح الباب أمام بعض التخصصات التقنية والعسكرية حتى سن 25. وسيجري انتشار المشاركين داخل الأراضي الفرنسية فقط، في خطوة تهدف إلى إعداد قوة دعم داخلية جاهزة للإسناد اللوجستي والبشري عند الحاجة. ويتوقع أن يضم البرنامج 3,000 مشارك في عام 2026، يرتفع العدد إلى 10,000 عام 2030، و50,000 بحلول عام 2036 إذا نجح في استقطاب الفئات الشبابية. وقد شدد ماكرون على أن هذا التوجه لا يعني العودة إلى التجنيد الإجباري، مؤكدًا أن الخيار الطوعي هو النموذج الأنسب في ظل البيئة الاجتماعية والسياسية الحالية، مع الاحتفاظ بقدرة الدولة على بناء احتياط فعّال دون اللجوء إلى الإكراه.
لماذا الآن؟ دوافع أوروبية تتجاوز فرنسا
قرار فرنسا يأتي انعكاسًا لمناخ أمني أوروبي أكثر هشاشة مما كان عليه قبل عقد من الزمن. فمع تصاعد الاعتداءات الروسية في أوكرانيا وتزايد الهجمات الإلكترونية والهجينة على دول الاتحاد، وجدت الحكومات الأوروبية نفسها أمام ضرورة إعادة رسم منظومة الدفاع. كما أثارت مواقف واشنطن، خصوصًا في عهد ترامب، مخاوف من تراجع المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمد عليها الأوروبيون لعقود من خلال الناتو. وفي هذا السياق، اتجهت دول مثل ألمانيا والدنمارك إلى استعادة برامج خدمة وطنية بصيغ جديدة تتناسب مع واقع التهديدات الحالية. ويسعى هذا التوجه الجماعي إلى خلق قاعدة احتياط واسعة يمكن استدعاؤها عند الضرورة، خاصة إذا اندلعت أزمة واسعة النطاق تتطلب مشاركة بشرية مكثفة. وتأتي الخطوة الفرنسية كجزء من هذا التحول الذي يعكس إدراكًا أوروبيًا بضرورة الانتقال من مفهوم «الأمن المدعوم خارجيًا» إلى «الأمن المبني ذاتيًا».
جدل داخلي: تصريحات عسكرية تشعل الشارع السياسي
أثار الجنرال فابيان ماندون، قائد الجيش الفرنسي، نقاشًا واسعًا عندما صرّح بأن فرنسا «يجب أن تستعد لخسارة أبنائها» إذا تطلّب الدفاع عن الوطن ذلك. وقد أحدث التصريح صدمة سياسية كبيرة، دفعت الرئيس ماكرون للتأكيد بأن «لا نية لإرسال شباب فرنسا إلى أوكرانيا»، مشددًا على ضرورة تبديد اللبس المحيط بتصريحات القائد العسكري. ورغم الجدل، عبّر رئيس لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ عن دعمه لماندون، معتبرًا أن تصريحاته «ضرورية لإظهار حجم التهديدات المقبلة». وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة أسئلة حول حدود المشاركة العسكرية الفرنسية في النزاعات الخارجية، وحول مدى استعداد المجتمع الفرنسي لتحمل كلفة المواجهة في حال اتسعت رقعة الصراع مع روسيا. كما أبرز التوتر القائم بين متطلبات الأمن القومي وحساسية الرأي العام تجاه احتمال انخراط الشباب في سيناريوهات قتالية خارج الحدود.
انقسام سياسي… وتجاذبات حول الأولويات
أعاد الإعلان عن البرنامج إلى الواجهة الانقسام السياسي التقليدي داخل فرنسا. فالأحزاب اليسارية ترى أن البلاد ليست في حالة حرب، وأن أولويات الشباب تتمثل في قضايا التعليم والسكن والوظائف وليس الخدمة العسكرية. في المقابل، رحب اليمين المتطرف بالخطوة معتبرًا أنها «في الاتجاه الصحيح» لتعزيز الهوية الوطنية وزيادة القدرة الدفاعية. أما الوسط، الداعم الرئيسي لحكومة ماكرون، فيعتبر المشروع ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة التهديدات الحالية. وتشير استطلاعات الرأي إلى ارتفاع مستوى الدعم الشعبي للقوات المسلحة لدى الفئة العمرية 18–25 عامًا، ما يفتح بابًا لتعزيز المشاركة الشبابية في البرنامج. ويُظهر هذا الانقسام أن المشروع لا يمثل فقط مبادرة دفاعية، بل يكشف عن تباينات عميقة في رؤية مستقبل فرنسا ودورها في الساحة الدولية، خاصة في ظل تصاعد التحديات الأمنية.
أبعاد استراتيجية نحو مستقبل دفاعي أوروبي
يشير البرنامج إلى توجه فرنسي أوسع يهدف إلى بناء قوة جاهزة وسريعة الانتشار في حالات الطوارئ، وتعزيز حجم الاحتياط الوطني لمواجهة سيناريوهات قد تشمل حربًا واسعة أو تهديدات متعددة الجبهات. كما يسعى إلى ترسيخ روح الانتماء الوطني والهوية العسكرية لدى الشباب، في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى رفع مستويات التنسيق الدفاعي لمواجهة روسيا وتقليل اعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي. وترى باريس أن هذا النموذج يشكل جزءًا من عقيدة أمنية جديدة تعتمد على مبدأ «الردع الذاتي»، أي امتلاك القدرة على حماية القارة دون انتظار تدخل خارجي. ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة بأن السنوات المقبلة قد تشهد تغيّرًا جذريًا في موازين القوة الدولية، ما يستدعي إعادة بناء الجاهزية البشرية بوصفها عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع.



