كوشنر يعود إلى قلب الدبلوماسية: واشنطن تعيد صياغة ملف الحرب في أوكرانيا عبر “الدائرة الضيقة” لترامب

لم يكن ظهور جاريد كوشنر داخل غرفة التفاوض في جنيف حدثًا عابرًا، بل مثّل إشارة واضحة إلى تحوّل كبير في طريقة إدارة البيت الأبيض لملف الحرب في أوكرانيا. فالوفد الأوكراني الذي دخل القاعة معتقدًا أنه سيواجه جولة تقليدية من النقاشات الشاقة فوجئ بأن كوشنر يجلس وسط الفريق الأمريكي، يدوّن ملاحظاته ويتابع كل كلمة تُقال بدقة لافتة. أحد أعضاء الوفد قال إن مجرد وجوده في القاعة أضفى على الاجتماع أجواء مختلفة، لأنه يُعرف بأنه رجل الملفات المستحيلة وصاحب القدرة على بناء قنوات تفاوض خلفية لا يقدر عليها الدبلوماسيون التقليديون. هذا المشهد أكد منذ البداية أن واشنطن لا تريد محادثات بروتوكولية، بل تسعى لصياغة اتفاق يعبّر عن رؤية ترامب وفريقه الضيق، وأن كوشنر سيحمل على عاتقه الجزء الأكثر حساسية في عملية التفاوض، خصوصًا في مرحلة تحديد “التنازلات المؤلمة”.

من الشرق الأوسط… إلى دونباس
عودة كوشنر إلى الواجهة لم تأتِ من فراغ، فهو الرجل الذي تعامل خلال الولاية الأولى لترامب مع ملفات الشرق الأوسط الأكثر تعقيدًا، بدءًا من الترتيبات بين إسرائيل وحماس، وصولًا إلى المفاوضات مع السعودية وطرح خطة السلام المثيرة للجدل. وبعد النجاح الذي حققته واشنطن في تمرير اتفاق غزة الأخير القائم على “خطة من 20 نقطة”، رأت الإدارة الأمريكية أن النموذج ذاته يمكن تكييفه على الحالة الأوكرانية، التي باتت تستنزف القدرات الغربية سياسيًا واقتصاديًا. عمل كوشنر إلى جانب المبعوث الخاص ستيف ويتكوف لإعداد مسودة أولية، لكن ردود الفعل الأوروبية كانت صادمة، إذ وصفت العواصم الكبرى الخطة بأنها أقرب إلى إملاءات تفرض وقائع ميدانية لصالح موسكو. ورغم ذلك، واصل كوشنر تعديل الصيغة استنادًا إلى اعتراضات كييف وحلفائها، في محاولة لخلق مسار واقعي يرضي ترامب دون التفريط بالحد الأدنى من المطالب الأوكرانية، وهو ما شكّل أساس النسخة الثانية.
مهمة موسكو: لقاء محتمل مع بوتين
طرح ترامب فكرة إرسال ستيف ويتكوف إلى موسكو خلال الأيام المقبلة بهدف إنهاء “الشق الأصعب” من بنود الاتفاق المحتمل، وهي الخطوة التي وصفتها مصادر دبلوماسية بأنها اختبار لنوايا الكرملين في هذه المرحلة الحساسة. لكن المفاجأة كانت في احتمال مرافقة كوشنر له، وهو ما لم يستبعده ترامب نفسه حين قال: «قد يذهب جاريد، لست متأكدًا… لكنه مشارك في العملية ونحتاج دماغه». هذا الاحتمال أثار موجة من الترقب، لأن مشاركة كوشنر في اجتماع مباشر مع بوتين داخل الكرملين تعني أن واشنطن تستعد لاتفاق يُدار عبر قناة شخصية لا تشبه أي مسار تفاوضي تقليدي. كما أن وجود شخص غير دبلوماسي في محادثات كهذه يشير إلى أن الإدارة الحالية ترى أن الصفقات الكبرى تُحسم عبر العلاقات الخاصة، لا عبر المؤسسات. وإذا تم اللقاء فعلًا، فسيكون مؤشرًا واضحًا على أن واشنطن تريد تسريع الخطوات العملية للخطة الأمريكية وإعلان إطار زمني واضح لعملية السلام.
لماذا عاد كوشنر رغم تعهده السابق؟
بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض عام 2021، بدا أن كوشنر طوى صفحة العمل السياسي وركز على إدارة صندوقه الاستثماري Affinity Partners الذي حصل على تمويل سعودي كبير بلغ ملياري دولار، وكان يكرر باستمرار أنه سيبتعد عن السياسة. لكن مع عودة ترامب إلى السلطة، تصاعدت الضغوط داخل البيت الأبيض لإعادته إلى دائرة صنع القرار، خصوصًا في الملفات التي تتطلب مستوى عاليًا من الثقة والسرية. فالتجربة السابقة جعلت ترامب يرى في كوشنر شخصًا قادرًا على تنفيذ المهام التي لا يأتمن فيها مؤسسات الدولة أو البيروقراطية التقليدية. تصريح ترامب أمام الكنيست الإسرائيلي بأن «جاريد هو من نلجأ إليه عندما نريد إتمام صفقة صعبة» يعكس المنطق الذي أعاده إلى قلب الملف الأوكراني. ووفق مصادر قريبة من الإدارة، فإن ترامب مقتنع بأن قدرته على صناعة “صفقات كبرى” تتطلب وجود كوشنر إلى جانبه مهما كانت التحديات أو الاعتراضات.

صياغة الخطة: نسخة معدّلة من نموذج غزة
الفلسفة الأساسية التي تعتمد عليها الخطة الأمريكية الجديدة في أوكرانيا قريبة جدًا من النهج الذي تبنته واشنطن في غزة، إذ تراهن الإدارة على وثيقة قصيرة وواضحة تقوم على نقاط محددة تُلزم الطرفين بالتحرك وفق جدول صارم. ستيف ويتكوف عبّر صراحة في تسجيل مسرب مع أحد مساعدي بوتين عن رغبته في “تكرار نموذج غزة”، وهو ما أثار قلقًا لدى الأوروبيين الذين رأوا أن تطبيق هذا الأسلوب على حرب معقدة قد يؤدي إلى تنازلات غير متوازنة. ومع ذلك، تولى كوشنر صياغة النسخة الثانية من الخطة بعد إضافة تعديلات جوهرية تراعي مخاوف كييف وحلفائها. وتؤكد مصادر أمريكية أن النسخة الحالية تركز على ثلاثة محاور رئيسية: وقف إطلاق النار، وإعادة تموضع القوات، وبدء مسار تفاوضي طويل المدى حول مستقبل المناطق المتنازع عليها. ويضيف البعض أن ترامب يريد اتفاقًا سريعًا، حتى لو بقيت نقاط خلاف مؤجلة لمرحلة لاحقة.
مدخلات روسية مبكرة: قلق أوروبي متزايد
أحد العناصر المثيرة في المشهد هو حصول الخطة الأمريكية على مدخلات مباشرة من شخصيات روسية نافذة، بما في ذلك كيريل ديميترييف، المدير التنفيذي لصندوق الاستثمار الروسي وأحد المقربين جدًا من بوتين. ديميترييف ليس مجرد شخصية اقتصادية، بل لاعب سياسي لديه علاقات ممتازة داخل الكرملين، وقد التقى كوشنر سابقًا عام 2019 في دافوس، ما فتح قناة اتصال غير رسمية بين الطرفين منذ ذلك الوقت. هذه المشاركة الروسية في مرحلة مبكرة من إعداد الخطة أثارت غضب عدد من العواصم الأوروبية، لأنها اعتبرتها دليلًا على أن واشنطن ربما تقدم تنازلات مسبقة قبل بدء المفاوضات الرسمية. كما أعرب بعض المسؤولين الأمريكيين السابقين عن مخاوف من أن يؤدي هذا النمط إلى إضعاف المؤسسات الدبلوماسية وإقصاء الحلفاء، خصوصًا أن روسيا تستفيد من أي انقسام داخل المعسكر الغربي. ورغم ذلك، تصر الإدارة على أن التواصل مع موسكو ضروري لإنجاز اتفاق واقعي.
انتقادات واشنطن: دبلوماسية بلا مؤسسات
تزايدت الأصوات المنتقدة داخل واشنطن لهذا النمط الجديد من إدارة السياسة الخارجية، حيث يرى بعض الدبلوماسيين السابقين أن العملية أصبحت مُركّزة في يد عدد محدود من المقربين من ترامب، بعيدًا عن وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي والوكالات المعنية. هؤلاء يحذرون من أن غياب آليات التنسيق الرسمية قد يقود إلى أخطاء استراتيجية مكلفة، خاصة أن ملفًا ضخمًا كالحرب في أوكرانيا يحتاج إلى خبرة مؤسساتية، وليس فقط مهارات تفاوضية فردية. ويؤكد منتقدو الإدارة أن تجاوز المؤسسات يخلق حالة من الغموض ويصعّب التنبؤ بالقرارات، ما يضعف الثقة الدولية في التزام واشنطن بأي اتفاق مستقبلي. كما يشعر الحلفاء الأوروبيون بأن الخطوات الأمريكية تتم داخل دائرة ضيقة لا تشركهم في اتخاذ القرارات التي تمس أمنهم بشكل مباشر.
مخاض ما بعد الحرب: معالم دبلوماسية جديدة تتشكل
إن الدور المتعاظم لجاريد كوشنر في إدارة ملف الحرب الأوكرانية يشير إلى لحظة مفصلية في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تتقدم الدائرة الشخصية للرئيس على المؤسسات الرسمية في صنع القرارات الكبرى. فالدبلوماسية التي تتشكل اليوم تعتمد على علاقات فردية واتصالات خلفية، ما يمنح واشنطن قدرة أكبر على المناورة لكنه يفتح أيضًا الباب أمام مخاطر سياسية على المدى البعيد. أوروبا التي وجدت نفسها خارج أغلب مراحل إعداد الخطة تدرك الآن أن مستقبل أمنها قد يُرسم في غرف مغلقة بين موسكو وواشنطن، دون مشاركتها الكاملة. أما أوكرانيا، فهي أمام واقع جديد قد يفرض عليها قبول اتفاق صاغته أطراف لا تمثل مصالحها بالكامل، فيما تسعى روسيا لاستثمار اللحظة لتعزيز مكاسبها. وفي النهاية، قد تحدد نتائج هذا المسار ملامح التوازنات الأوروبية لعقد كامل قادم.



