سلمي سعيد تكتب: السوشيال ميديا… تقرّب البعيد وتُبعد القريب

الجميع يتحدث عن مساوئ وسائل التواصل الاجتماعي، لكن قليلون فقط يتوقفون ليسألوا: ما معنى هذه الوسائل أصلًا؟ فهي في الأساس طريقة ابتكرها الإنسان ليقترب أكثر، وليتواصل بسهولة وسرعة في وقت أصبحت فيه المسافات طويلة والوقت محدودًا. لذلك نشأت مواقع التواصل الاجتماعي لتربط الناس ببعضهم البعض، لا لتفصلهم. ولكن عندما ننظر للواقع الآن، نكتشف مفارقة غريبة: البعيد أصبح أقرب، والقريب أصبح أبعد.
قبل ظهور السوشيال ميديا، كان الناس يتواصلون بطرق بسيطة لكنها أكثر صدقًا ودفئًا. الرسائل الورقية كانت تُكتب بحميمية وتصل بعد أيام، واللقاء المباشر كان يحل أي سوء تفاهم، والمكالمات الهاتفية كانت تحمل نبرة الصوت ومشاعر المتحدث. هذه الوسائل لم تختفِ من العالم، لكنها اختفت من عاداتنا. فقد أصبح الكثيرون يعتمدون اعتمادًا كاملًا على الوسائل الحديثة لأنها الأسهل، حتى لو كانت أقل إنسانية.
وهنا يظهر السؤال المهم: لماذا تُبعد وسائل التواصل القريب؟ السبب أن التواصل الرقمي سريع ولكنه جاف. نحن لا نرى ملامح من يحدثنا، ولا نسمع نبرة صوته، ولا نستطيع تفسير ما يشعر به. جملة مكتوبة قد تبدو عادية لكنها تحمل معاني مختلفة، ولا يعرف المتلقي ماذا يقصد الطرف الآخر. أصبحت المناسبات المهمة تُدار إلكترونيًا: عزاء برسالة، تهنئة على تطبيق، زيارة تُستبدل بإيموجي… ومع الوقت يشعر الإنسان بالوحدة والغربة وسط أقرب الناس إليه.
ورغم ذلك، ليست المشكلة في السوشيال ميديا نفسها، بل في طريقة استخدامها. فهي مجرد وسيلة ثانوية، تُستخدم عندما يتعذر اللقاء أو المكالمة، وليست بديلًا دائمًا عن العلاقات المباشرة. مثل أي شيء في الحياة، هي سلاح ذو حدين. يمكن أن تُستخدم لنشر المعرفة والوعي، ويمكن أن تُستخدم لنشر الفتن والشائعات وزعزعة الأمن النفسي والاجتماعي. وحتى الإعلام—الذي وُجد لتثقيف الناس ونقل الحقائق—يمكن أن يتحول إلى أداة تضلل العقول بدلًا من إنارتها.
الحل لا يكمن في المنع، بل في الوعي. فمهما توفرت وسائل متعددة للتثقيف والتوعية، يظل الأساس هو وعي الفرد نفسه. فالإنسان بداخله بذرة: إن كانت صالحة أخذ من كل شيء الجانب الإيجابي، وإن كانت غير ذلك انجذب للسلبي وترك ما يفيده. وكما تحتاج البذرة للماء والهواء والشمس كي تنمو، يحتاج عقل الإنسان للتعليم والإعلام السليم وبيئة صحية كي يفكر بشكل صحيح، ويستخدم التكنولوجيا بطريقة لا تسرق إنسانيته.
في النهاية، السوشيال ميديا ليست مشكلة… هي مجرد مرآة لطريقة استخدامها. يمكن أن تقرّب البعيد، نعم، لكنها لا يجب أن تُبعد القريب. العودة للعلاقات الطبيعية لا تحتاج قرارات كبيرة، بل تحتاج لخطوات بسيطة: لقاء حقيقي، مكالمة صادقة، اهتمام يظهر من القلب لا من خلف شاشة. فالتواصل الحقيقي ما زال موجودًا… لكنه ينتظر منا أن نعود إليه.



