وثيقة أمريكية تكشف رهانات ترامب على اليمين المتطرف في أوروبا

أثارت وثيقة أمريكية صادرة عن البيت الأبيض جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية الأوروبية بعدما كشفت بوضوح توجه إدارة ترامب نحو تبنّي خطاب شبيه بخطاب اليمين المتطرف داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس تحوّلًا أعمق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القارة. وتتبنى الوثيقة، التي تعد جزءًا من استراتيجية الأمن القومي الجديدة، سرديات ديموغرافية حساسة تتحدث عن “اختفاء حضاري” محتمل، مُحمِّلة سياسات الهجرة والاتحاد الأوروبي مسؤولية هذا التحوّل. وتشير الوثيقة إلى أن أوروبا، وفق رؤية واشنطن الجديدة، ليست فقط شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا، بل ساحة سياسية يجب إعادة تشكيلها بما يتوافق مع مشروع ترامب الأيديولوجي، عبر دعم القوى القومية والشعبوية الصاعدة. هذا الطرح، الذي يتقاطع مع خطاب اليمين المتطرف، أثار ردود فعل حادة في العواصم الأوروبية التي رأت فيه محاولة أمريكية للتأثير على هوية القارة وخياراتها الداخلية. وتفتح الوثيقة الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر عبر الأطلسي، في ظل إعادة تعريف العلاقات التقليدية بين الطرفين.

خطاب ديموغرافي يقترب من نظريات مؤامرة
تظهر الوثيقة الأمريكية انزلاقًا واضحًا نحو خطاب ديموغرافي لطالما تبنته تيارات اليمين المتطرف، خصوصًا ما يعرف بـ“نظرية الاستبدال العظيم”، عبر التحذير من احتمال تحوّل دول أوروبية إلى مجتمعات “ذات أغلبية غير أوروبية” خلال عقدين. ويستند هذا الطرح، كما توحي الوثيقة، إلى قراءة انتقائية لاتجاهات الهجرة، متجاهلًا التحولات الاقتصادية والاحتياجات الديموغرافية الفعلية التي يدافع عنها الاتحاد الأوروبي. وتعتبر إدارة ترامب أن ما تسميه “الأزمة الحضارية” لا يمكن مواجهتها إلا عبر تعزيز “القوى الوطنية” في كل دولة، بما يدعم مشروعها المعلن لبناء أوروبا متماشية مع رؤيتها. ويعكس هذا الخطاب اعتقادًا أمريكيًا متزايدًا بأن القارة تحتاج إلى “صدمة سياسية” تعيد ترتيب أولوياتها الداخلية. ومع تكرار الإشارات إلى الهجرة والهوية القومية، تبدو الوثيقة أقرب إلى أدوات دعاية لليمين المتطرف منها إلى ورقة استراتيجية رسمية، وهو ما يزيد المخاوف الأوروبية من تقويض التوازن السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.
هجوم مباشر على الاتحاد الأوروبي ودفاع عن الشعبوية
تنتقد الوثيقة الأمريكية الاتحاد الأوروبي بحدة، متهمة إيّاه بإضعاف سيادة الدول عبر “توسع بيروقراطي” يفرض قيودًا على حرية التعبير ويعرقل المعارضة السياسية، وفق وصف معدّيها. وترى إدارة ترامب أن صعود الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا ليس تهديدًا بل “علامة مشجعة”، معتبرة أن هذه الأحزاب تمثل “الإرادة الحقيقية للشعوب”، في مقابل ما تسميه “حكومات أقلية غير مستقرة”. وتأتي هذه اللغة بالتزامن مع خطوات عملية اتخذتها واشنطن، أبرزها تعزيز تواصلها مع حزب البديل من أجل ألمانيا، إضافة إلى قوى قومية أخرى في فرنسا وإيطاليا وهولندا. وتتماهى هذه المقاربة مع الرؤية التي يكررها البيت الأبيض بشأن ضرورة “تحمّل أوروبا مسؤوليتها الدفاعية” وفتح أسواقها بشكل أوسع للسلع الأمريكية. وتكشف الوثيقة، ضمنيًا، رغبة إدارة ترامب في تفكيك التماسك الأوروبي الذي ترى فيه عقبة أمام مشروعها الجيوسياسي، معتبرة الاتحاد الأوروبي مؤسسة “تعرقل الهوية القومية” بدلًا من دعمها.
ردود أوروبية غاضبة ومحاولات لحماية الهوية المشتركة
جاءت الردود الأوروبية سريعة، تعكس قلقًا عميقًا من انحياز واشنطن لليمين المتطرف. فقد شدد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول على أن تنظيم الهوية الثقافية والفكرية في القارة شأن داخلي “لا يحتاج إلى توجيه خارجي”، رافضًا ربط حرية التعبير بالاعتبارات الأمنية الأمريكية. ويؤكد هذا الموقف إدراكًا أوروبيًا بأن الوثيقة الأمريكية تمثل أكثر من مجرد تحليل سياسي، بل تدخلًا في البنية القيمية للقارة. كما أثارت الإشارات المتكررة إلى الهجرة استياء دول أوروبية ترى أن إدارة ترامب تختزل تحديات القارة في بعد واحد، متجاهلة التفاوت الاقتصادي وملفات الطاقة والتهديدات الأمنية. ويتزامن هذا الجدل مع تحذيرات فرنسية من احتمال “تراجع أمريكي” في دعم أوكرانيا، ما يضيف بعدًا جديدًا للتوتر. وبينما تسعى أوروبا للحفاظ على وحدتها، تُنذر هذه الوثيقة بموجة جديدة من الاستقطاب الداخلي، خصوصًا إذا استثمرت القوى الشعبوية هذه الرؤية الأمريكية لتعزيز موقعها في المشهد السياسي.
إعادة صياغة العلاقة عبر الأطلسي
رغم اللهجة الحادة، تعترف الوثيقة الأمريكية بأهمية أوروبا الاستراتيجية والثقافية، وتؤكد أن التعاون الاقتصادي عبر الأطلسي عنصر أساسي في استمرار القوة الأمريكية. لكنها في الوقت ذاته توضح أن إدارة ترامب لا ترى في المؤسسات الأوروبية الحاكمة شريكًا طبيعيًا، بل عقبة أمام مشروعها الأيديولوجي العالمي. وترى واشنطن أن التعامل المباشر مع القوى القومية الصاعدة أكثر فاعلية من الحوار مع بروكسل أو العواصم التقليدية. ويكشف هذا التحول عن مقاربة أمريكية جديدة تُعيد صياغة مفهوم التحالفات، تجعل الأولوية للأنظمة المتقاربة أيديولوجيًا وليس للمؤسسات المستقرة. ويضع هذا التوجه الاتحاد الأوروبي أمام تحدٍّ استراتيجي طويل الأمد، بين الحفاظ على استقلال رؤيته أو الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة مع إدارة ترامب. وفي قلب هذا الجدل، تبدو الهجرة واليمين المتطرف والوثيقة الأمريكية عناصر مركزية لإعادة رسم مستقبل العلاقات عبر الأطلسي.



