روسيا تختبر «شاهد» خارج حدودها: استراتيجية خفية لتعزيز الطائرات الانتحارية

تكشف تقارير تحليلية حديثة عن بُعد جديد في الاستراتيجية العسكرية الروسية المتعلقة بتطوير الطائرات المسيّرة الانتحارية، حيث لجأت موسكو إلى تنفيذ اختبارات سرية خارج أراضيها لتقييم أداء طائرات «شاهد» ذات التصميم الإيراني، قبل إدخال نسخ مطوّرة منها إلى ساحات القتال في أوكرانيا. هذه المقاربة غير التقليدية تعكس إدراكًا روسيًا متزايدًا لأهمية اختبار الأسلحة في بيئات قريبة من ظروف القتال الحقيقية، بعيدًا عن القيود الجغرافية والسياسية داخل البلاد. وبحسب ما أورده تحقيق لموقع «ميليتارني»، فإن اختيار دول أجنبية لإجراء هذه التجارب لم يكن عشوائيًا، بل جاء للاستفادة من تنوع التضاريس واختلاف الظروف المناخية وأنماط الحرب الإلكترونية. ويأتي هذا التطور في وقت باتت فيه الطائرات المسيّرة عنصرًا حاسمًا في النزاعات الحديثة، ما يدفع القوى الكبرى إلى تسريع وتيرة الابتكار، حتى لو تطلّب الأمر توسيع ميادين الاختبار خارج الحدود الوطنية.
اختبارات متعددة ونماذج مختلفة
شملت الاختبارات الروسية نماذج عدة من سلسلة طائرات «شاهد»، وفي مقدمتها «شاهد-136»، إلى جانب نسخ معدّلة تنتجها موسكو محليًا تحت مسميات مختلفة، أبرزها «جيران-2». وتهدف هذه الاختبارات إلى تقييم أداء الطائرات في ظروف تشغيلية متباينة، من حيث القدرة على التحليق لمسافات طويلة، والاستقرار أثناء الطيران، والتعامل مع العوامل الجوية القاسية. وتشير التقارير إلى أن تنويع نماذج الطائرات قيد الاختبار مكّن المهندسين العسكريين الروس من مقارنة الأداء بين النسخ الأصلية وتلك التي جرى تعديلها محليًا، ما أتاح إدخال تحسينات تدريجية على التصميم والبرمجيات. كما ساعدت هذه التجارب على اختبار مرونة الطائرات في مواجهة أنظمة الدفاع الجوي المختلفة، وهو عنصر بالغ الأهمية في سياق الحرب الأوكرانية، حيث تتغير طبيعة التهديدات بشكل مستمر.
بيانات تقنية وتطوير ميداني متسارع
أسفرت هذه الاختبارات عن جمع بيانات فنية دقيقة تتعلق بتحسين مسارات الطيران، ودقة الاستهداف، ومقاومة التشويش الإلكتروني، إضافة إلى فاعلية الرؤوس الحربية عند الاصطدام بالأهداف. وتؤكد مصادر تحليلية أن هذه المعطيات لعبت دورًا محوريًا في تطوير نسخ أحدث وأكثر كفاءة من الطائرات الانتحارية، ما انعكس لاحقًا في دقة الضربات الروسية ضد البنية التحتية الأوكرانية. ويُعتقد أن توقيت هذه التجارب، الذي سبق التوسع الكبير في الإنتاج المحلي الروسي، سمح بتقليص دورة التطوير من المختبر إلى ساحة المعركة. كما أن الاعتماد على بيئات اختبار خارجية أتاح لموسكو محاكاة سيناريوهات قتالية أكثر تعقيدًا، دون تعريض قواتها أو منشآتها الداخلية لمخاطر إضافية خلال مرحلة التجريب.
أبعاد استخباراتية وشبهات تعاون دولي
تشير التقارير إلى أن الأدلة على هذه الاختبارات استندت إلى تقييمات استخباراتية ووثائق فنية، فضلًا عن ملاحظات من دول يُشتبه في أنها شاركت، أو سمحت ضمنيًا، باستخدام أراضيها كمناطق اختبار. ويعكس هذا البعد الاستخباراتي حساسية العمليات، وما قد تثيره من تداعيات سياسية ودبلوماسية في حال تأكدت مشاركة أطراف خارجية. وفي الوقت ذاته، تبرز هذه المعطيات مدى تعقيد شبكات التعاون العسكري غير المعلنة، التي باتت تلعب دورًا متزايدًا في تطوير أنظمة السلاح الحديثة. ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية مكّنت روسيا من تقليل المخاطر المباشرة المرتبطة بالاختبار داخل أراضيها، وتسريع وتيرة التطوير الميداني، بما يخدم أهدافها العسكرية على المدى القصير والمتوسط.
دلالات عسكرية وشراكة متنامية
تعكس نتائج هذه الاختبارات أن تطور القدرات الروسية في مجال الطائرات المسيّرة لم يكن نتاج الجهد الداخلي وحده، بل استفاد من ميادين اختبار خارجية وفّرت خبرات تكتيكية مباشرة. وقد انعكس ذلك في المستوى المتقدم من الدقة والمرونة الذي باتت تظهره الطائرات الروسية في الهجمات المتواصلة على المدن والمنشآت الأوكرانية. كما يسلط التقرير الضوء على تنامي التعاون العسكري بين روسيا وإيران، لا سيما في مجال الذخائر المتسكعة منخفضة التكلفة وطويلة المدى، وهو تعاون بات يؤثر بوضوح في معادلات الصراع. وفي سياق أوسع، يشير هذا التطور إلى تحول نوعي في طبيعة الحروب الحديثة، حيث تلعب الطائرات بدون طيار دورًا متزايد الأهمية، ما يفرض تحديات جديدة على أنظمة الدفاع التقليدية ويعيد رسم موازين القوة في مناطق النزاع المختلفة.



