ترامب يجمّد المرحلة الثانية من خطة غزة: حسابات السياسة تصطدم بواقع السيطرة على الأرض

تواجه المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية الخاصة بقطاع غزة عقبات متزايدة، تعكس الفجوة العميقة بين الطموحات السياسية والواقع الميداني المعقّد. فبينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يمنحه إنجازًا دوليًا قبل نهاية ولايته، تبدو الظروف على الأرض أقل قابلية للتغيير، في ظل سيطرة حركة حماس الكاملة على القطاع، وغياب أي طرف إقليمي أو دولي مستعد لتحمل كلفة المواجهة المباشرة معها أو نزع سلاحها. وفي المقابل، يتحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحذر شديد، متجنبًا خطوات عسكرية واسعة قد تفتح عليه ضغوطًا دولية إضافية. هذا التوازن الهش بين الطموح الأمريكي والقيود الإسرائيلية، من جهة، والواقع الأمني في غزة، من جهة أخرى، يجعل المرحلة الثانية من الخطة أشبه بمشروع معلّق، تُدار تفاصيله سياسيًا أكثر مما تُنفّذ عمليًا، في وقت لا تزال فيه الأزمة الإنسانية والأمنية بلا أفق واضح للحل.
حماس وسيطرة الأمر الواقع
تفرض حركة حماس سيطرتها على الجزء الغربي من قطاع غزة، معتمدة على بنية تنظيمية وأمنية متماسكة، تضم آلاف العناصر المسلحة بأسلحة خفيفة. ورغم أن التقديرات تشير إلى امتلاك الحركة عددًا محدودًا من الصواريخ، لا يتجاوز نحو مئة صاروخ، فإن قدرتها على إدارة القطاع والتحكم بالمشهد الداخلي تمنحها ثقلًا سياسيًا وأمنيًا يتجاوز حجم ترسانتها العسكرية. وفي هذا السياق، يفضّل مسؤولون وجنود أمريكيون تجنب الإشارة المباشرة إلى «حماس» في النقاشات مع الجانب الإسرائيلي، معتبرين أن استخدام الاسم بحد ذاته يحمل دلالات سياسية وأمنية حساسة، ويميلون بدلًا من ذلك إلى استخدام مصطلح «الغزاويين». هذا السلوك يعكس مقاربة أمريكية حذرة تسعى إلى إدارة الواقع القائم دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحركة، وهو ما يكرّس عمليًا وضع «سيطرة الأمر الواقع» في القطاع، ويجعل أي خطة سياسية مرهونة بالتعامل غير المباشر مع نفوذ حماس.
ترامب بين الطموح الدولي وكبح التحرك الإسرائيلي
لا يزال الرئيس الأمريكي يسعى إلى الإعلان عن تشكيل «مجلس السلام الدولي» لإدارة غزة، على أن يتم الكشف عن أعضائه مطلع عام 2026، في إطار رؤية تهدف إلى نقل إدارة القطاع إلى صيغة دولية أو شبه دولية. غير أن هذا المسار يترافق مع ضغوط أمريكية واضحة على نتنياهو، تحد من تحركه العسكري على الأرض، وتدفع الجيش الإسرائيلي إلى تجنب عمليات واسعة النطاق داخل غزة. وبحسب تقديرات سياسية، فإن واشنطن ترى أن أي تصعيد كبير قد يقوّض فرص تسويق الخطة دوليًا، ويعقّد مساعي بناء توافق إقليمي حولها. وفي الوقت ذاته، يدرك نتنياهو أن هامش المناورة لديه بات أضيق، بين مطالب الداخل الإسرائيلي وضغوط الحلفاء، ما يدفعه إلى تبني سياسة «الحد الأدنى» من الفعل العسكري، بانتظار اتضاح معالم المرحلة المقبلة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة وحدودها
تشير التصورات الأمريكية إلى أن المرحلة التالية قد تشمل تشكيل حكومة فلسطينية من الخبراء، إلى جانب إنشاء قوة دولية تُكلّف بتثبيت الاستقرار داخل القطاع. غير أن هذه الطروحات تصطدم بسؤال جوهري حول دور حماس، التي يُتوقع أن تظل قوة مؤثرة حتى في حال تنفيذ هذه الترتيبات. فالحركة، بحكم حضورها الشعبي والأمني، لا يمكن تجاوزها بسهولة، ما يجعل أي صيغة انتقالية عرضة للاهتزاز. ويرى مراقبون أن الخطة الأمريكية تحاول الالتفاف على هذه الإشكالية عبر تأجيل الحسم الأمني، والتركيز على ترتيبات إدارية وإنسانية، في انتظار ظروف سياسية أكثر ملاءمة. لكن هذا النهج يحمل في طياته مخاطر إعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار، بدلًا من معالجتها جذريًا.
إعادة الإعمار دون مواجهة
تركّز الجهود الأمريكية الحالية على المناطق الشرقية من غزة، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، حيث تتضمن مشاريع إعادة الإعمار إنشاء عيادات طبية، ونشر قوات شرطية، وإزالة الألغام والأنقاض. غير أن هذه الجهود تتجنب أي مواجهة مباشرة مع حماس، ما يعكس أولوية تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار على حساب معالجة جذور الصراع. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره محاولة لتحسين الأوضاع المعيشية دون الدخول في اشتباك سياسي أو عسكري مع القوى المسيطرة فعليًا على القطاع. لكن منتقدين يرون أن إعادة الإعمار بمعزل عن تسوية سياسية شاملة قد تتحول إلى حل مؤقت، يخفف الأعراض دون أن يزيل أسباب الأزمة.
الشمال ولبنان في حسابات التهدئة
على جبهات أخرى، يواصل نتنياهو توجيه ضربات محدودة لمواقع حزب الله في سوريا ولبنان، غير أن هذه التحركات تجري تحت سقف ضبط النفس الذي تفرضه واشنطن. فالبيت الأبيض يسعى إلى تجنب أي تصعيد قد يعقّد مساعي التسوية السياسية في المنطقة، بما في ذلك دعم الحكومة المركزية في بيروت. وفي هذا الإطار، يبرز خطاب حزب الله القائم على استراتيجية دفاعية وانتقائية في الهجوم، مع ترويج شعار «البقاء هو الانتصار» في الشمال. ويعكس هذا المشهد الإقليمي حالة توازن دقيق، تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الدولية، في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية منع اتساع رقعة التوتر.
توازنات هشّة تُعرقل أي تسوية مستقبلية
في المحصلة، تكشف المعطيات الميدانية أن المرحلة الثانية من خطة ترامب لغزة تواجه تحديات بنيوية معقدة، تجعل تنفيذها الكامل أمراً بالغ الصعوبة. فالسيطرة المستمرة لحركة حماس، وتركيز واشنطن على إعادة الإعمار دون حسم أمني، إلى جانب التزام نتنياهو بضبط النفس تحت الضغط الدولي، كل ذلك يرسم مشهداً يدار سياسيًا أكثر مما يُحسم ميدانيًا. وبينما يسعى الرئيس الأمريكي لتسجيل إنجاز دبلوماسي، يبقى واقع غزة محكوماً بتوازنات هشة، تجعل أي تسوية مؤجلة وقابلة للاهتزاز في أي لحظة، مما يعكس هشاشة الأطر السياسية الحالية وغياب الحلول العملية طويلة المدى.



