“كانت مجزرة”: الإرهاب المعادي للسامية يهز شاطئ بوندي في سيدني

تحولت مساء الأحد الماضي أجواء شاطئ بوندي في سيدني من احتفالات صيفية هادئة إلى كابوس حقيقي، حين أطلق مسلحان النار على المواطنين العابرين للمكان، ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا وإصابة نحو 30 آخرين. وصف شهود العيان المشهد بأنه “مجزرة”، مع دماء في كل مكان وصراخ يعم المكان، فيما حاول البعض حماية أطفالهم والاختباء داخل المطاعم والحمامات العامة. الحكومة الأسترالية وصفت الهجوم بأنه “عمل شرير مناهض للسامية، إرهاب ضرب قلب الأمة”، مشيرة إلى أن هدفه تجاوز المجتمع اليهودي ليطال كل الأستراليين. هذا الهجوم يمثل أحد أبشع أعمال الإرهاب في أستراليا الحديثة، ويكشف هشاشة الأمن في الأماكن العامة، ويضع المجتمع أمام تحديات كبيرة في التعامل مع الكراهية، وتقديم الدعم النفسي للضحايا، وضمان استقرار النسيج الاجتماعي بعد صدمة بهذا الحجم.

الرعب في دقائق: تفاصيل الهجوم
بدأ الهجوم حوالي الساعة السادسة مساءً، حين صعد المهاجمان إلى جسر مشاة مرتفع يربط شارع كامبل براد بمركز شاطئ بوندي، وأطلقا النار بشكل عشوائي على الحشود. شهداء الحادث تحدثوا عن نحو خمسين طلقة خلال خمس إلى عشر دقائق، أصابت الأطفال وكبار السن والمارة، بينما لجأ آخرون للاختباء داخل المطاعم وأندية ركوب الأمواج. أجواء الرعب كانت مكثفة، مع صراخ مستمر ومشهد دموي لم يتوقف إلا بعد تدخل الشرطة والمارة الشجعان. هذا الهجوم لم يستهدف فقط المدنيين الأبرياء، بل استهدف المجتمع اليهودي بشكل مباشر، الذي كان يحتفل بعيد “حانوكا” خلف الشاطئ، ما حول الاحتفال بالضوء والفرح إلى مأساة مفجعة.
بطولات غير متوقعة وسط الفوضى
على الرغم من الرعب والفوضى، ظهرت لحظات بطولية استثنائية. يظهر فيديو التقط بهاتف رجلًا غير مسلح يقتحم المهاجمين وينزع أحدهم سلاحه، ما ساهم في الحد من الضرر. تدخلت الشرطة بسرعة، وتمكنت من السيطرة على المهاجمين، حيث قُتل أحدهما وأصيب الآخر بجروح حرجة. كما ساعد المواطنون في تقديم الإسعافات الأولية للضحايا وسط الدماء، ونجح بعضهم في حماية الأطفال وكبار السن، ما يعكس قدرة المجتمع على الصمود والتضامن في مواجهة الإرهاب. هذه المواقف البطولية لم تخفف فقط من حجم الأضرار، بل أظهرت أيضًا الشجاعة الإنسانية في مواجهة الخطر المباشر، مؤكدين أن إرهاب الكراهية لا يمكن أن يقضي على روح التضامن المجتمعي.

الهجوم على المجتمع اليهودي وأبعاد رمزية
كان الهجوم موجهاً بشكل واضح ضد المجتمع اليهودي، الذي كان مجتمعًا خلف الشاطئ للاحتفال بعيد “حانوكا”، حيث أضاء الحاضرون الشموع وتبادلوا التهاني. حذر رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، من أن هذا الهجوم “هو هجوم على كل أسترالي”، مؤكدًا أن لا مكان للكراهية أو الإرهاب في البلاد. وأشارت جليان سيغال، المبعوثة الخاصة لمكافحة معاداة السامية، إلى أن الصور التي ظهرت بعد الهجوم “تعكس فظائع لم يتوقع الأستراليون أن يشهدوها في وطنهم”، مشددة على أن استهداف اليهود لم يكن عشوائيًا، بل يمثل اعتداءً على القيم الوطنية والنسيج الاجتماعي المشترك. هذا البُعد الرمزي يزيد من خطورة الحادث، ويضع الحكومة أمام تحديات جديدة لتعزيز الأمن ومكافحة التطرف والكراهية المنظمة.
المشهد بعد الهجوم وتأمين الموقع
في أعقاب الحادث، انتشرت قوات الشرطة وفرق الطوارئ على طول الشاطئ والشوارع المحيطة، وأُقيمت مراكز إسعافية مؤقتة في أندية ركوب الأمواج والمطاعم لمساعدة المصابين. المواطنون تجمعوا على الأرصفة، بحثًا عن دعم نفسي وعاطفي لجيرانهم ومجتمعهم، فيما استمر البحث عن أي شركاء محتملين للمهاجمين. اكتشاف جهاز متفجر مُهيأ بالقرب من موقع إطلاق النار عزز المخاوف من وجود شبكة إرهابية أوسع، ما دفع السلطات لتعزيز التدابير الأمنية في جميع مناطق سيدني. هذه الإجراءات تؤكد أن الحادثة لم تكن مجرد هجوم فردي، بل تهديد متكامل يستهدف استقرار المجتمع، ويستدعي مراجعة السياسات الأمنية للتعامل مع الإرهاب والكراهية في الأماكن العامة بشكل أكثر فعالية.


شهادات من أرض الحدث
فين غرين، زائر من بريطانيا، وصف الهجوم قائلاً: “كان هناك رجلان مسلحان، أحدهما ذهب إلى اليمين وأصاب سيدة، والآخر إلى اليسار وأصاب رجلًا. رأيت الكثير من الناس يركضون، وكان أسرتي تصرخ عليّ في الهاتف لتجد لي مأوى.”
عبد الله أشرف، شاهد آخر ساعد المصابين بعد الهجوم، قال: “رأيت ضابط شرطة مصاب. كنا نحاول مساعدته وتقديم الإسعافات الأولية، وكانت هناك امرأة مصابة بجوار أطفالها، لكنها حاولت البقاء واعية ومتماسكة.”
هذه الشهادات تعكس حجم الرعب والإرهاب الذي أصاب الناس فجأة، بالإضافة إلى قدرة الأفراد العاديين على إظهار شجاعة غير متوقعة، والتضامن مع الضحايا في أسوأ لحظات حياتهم، وهو ما يعكس الروح المجتمعية لأستراليا في مواجهة الإرهاب.
أثر طويل المدى: الأمن والدعم النفسي
سيواجه المجتمع الأسترالي تحديات مزدوجة بعد الهجوم: تعزيز الرقابة على الأسلحة والأماكن العامة لضمان الأمن، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا والمجتمع اليهودي، الذي عانى صدمة كبيرة. هذا الهجوم يعتبر أحد أكبر أعمال الإرهاب في البلاد منذ عقود، وسيظل محور نقاش حول مكافحة الإرهاب، الكراهية، وحماية المواطنين، بالإضافة إلى أهمية تعزيز الوعي المجتمعي حول التصرف في حالات الطوارئ. كما يبرز الحاجة لمراجعة سياسات الأمن الوطني وإجراءات الوقاية لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث في المستقبل.



