السرية حول أضرار المدنيين في العمليات العسكرية البريطانية تُهدد الثقة العامة
أصدر محكمة بريطانية حكمًا مهمًا بشأن غياب الشفافية في آلية تتبع وتقييم أضرار المدنيين في العمليات العسكرية التي تنفذها المملكة المتحدة، مؤكدة أن هذا النقص في المعلومات قد يضعف ثقة الجمهور في نزاهة الإجراءات المتبعة. جاء الحكم بعد دعوى قدمها مركز مراقبة الصراعات Airwars، ضمن تحقيق حول سجل بريطانيا في حملة القصف ضد تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، خاصة بعد مطالبة المركز بالحصول على تفاصيل حول حالة مدنية واحدة اعترفت الحكومة البريطانية بسقوطها خلال غارة في شرق سوريا عام 2018.
ورغم أن المحكمة رفضت طلب Airwars، استنادًا إلى اعتبارات الأمن القومي التي تمت مناقشتها في جلسة مغلقة، إلا أنها أشارت إلى أن الجمهور لديه “مصلحة مشروعة” في معرفة مدى شمولية وموثوقية الإجراءات التي تعتمدها الحكومة لتقييم الأضرار المدنية. واعتبرت المحكمة أن غياب أي إجراءات منشورة يمكن أن يضعف الثقة العامة في عملية التقييم، وأن “الطمأنة على مستوى عالٍ” لا تعادل وجود دليل مكتوب يمكن فحصه ومراجعته.
وأوضحت الوثائق أن بريطانيا لا تمتلك إرشادات منشورة توضح كيف يتم مراجعة ادعاءات سقوط قتلى أو جرحى من المدنيين في ضربات جوية، بخلاف الولايات المتحدة التي تعتمد على “خلية تقييم أضرار المدنيين” متخصصة في هذا الشأن. كما كشفت المحكمة أن السياسيين البريطانيين هم من يملكون القرار النهائي بشأن قبول أو رفض نتائج تقييمات الأضرار، ما يثير تساؤلات حول استقلالية العملية.
وفي سياق القضية، كانت الحكومة البريطانية قد أعلنت في مايو 2018 عن وفاة مدني واحد نتيجة ضربة استهدفت ثلاثة عناصر من تنظيم “داعش” في شرق سوريا، لكن تلك الضربة لم تُسجل ضمن سجلات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، كما أنها لم تظهر في قائمة الضربات التي أعلنتها لندن والتي استهدفت مسلحين. بينما لم تسجل منظمات حقوقية سورية أي حالة وفاة مدنية في المنطقة في ذلك اليوم.
من جهتها، اعتبرت Airwars أن حكم المحكمة يمثل “اعترافًا رسميًا” بضرورة تعزيز الشفافية بشأن أضرار المدنيين في العمليات البريطانية، وقالت المديرة التنفيذية للمركز إميلي تريب إن الحكم يؤكد أن “الجمهور البريطاني له الحق في معرفة متى يُقتل مدنيون باسمهم”. وأضافت أن غياب سياسات واضحة ومعلنة حول هذا الملف يضر بالمواطنين وبالمؤسسة العسكرية نفسها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل بريطانيا وخارجها لتعزيز رقابة البرلمان ووسائل الإعلام على عمليات التقييم العسكري، خاصة في ظل استمرار العمليات الجوية ضد تنظيمات مسلحة في مناطق تتسم بارتفاع معدلات المدنيين والاضطراب الأمني.



