ترامب يثير عاصفة غضب بتشكيكه في دور قوات الناتو بأفغانستان… اتهامات بالإهانة وتزوير التضحيات
أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة غضب واسعة في بريطانيا، عقب تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام أميركية زعم فيها أن قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) تجنبت الخطوط الأمامية خلال الحرب في أفغانستان، ملمحًا إلى أن الحلف لم يكن شريكًا حقيقيًا للولايات المتحدة في أطول حرب خاضها الغرب الحديث. هذه التصريحات، التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية في ظل توتر العلاقات عبر الأطلسي، قوبلت بإدانة شديدة من نواب بريطانيين من مختلف الأحزاب، إضافة إلى قدامى المحاربين وعائلات الجنود الذين قُتلوا خلال المهمة. وبالنسبة لكثيرين في لندن، لم تكن كلمات ترامب مجرد زلة لسان، بل طعنًا مباشرًا في ذاكرة تضحيات بشرية دفعت بريطانيا ثمنها دمًا وعرقًا، وأعادت فتح جروح سياسية وعسكرية لم تندمل بعد.
تصريحات تشعل الغضب وتضرب قلب التحالف
في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، قال ترامب إن الولايات المتحدة “لم تحتج يومًا” إلى حلفائها في الناتو، مضيفًا أن القوات التي أُرسلت إلى أفغانستان من دول الحلف “بقيت بعيدًا قليلًا عن الخطوط الأمامية”. هذا التوصيف أثار صدمة واسعة في بريطانيا، حيث اعتُبر تقليلًا فجًا من دور آلاف الجنود الذين قاتلوا جنبًا إلى جنب مع القوات الأميركية. سياسيون ومحللون رأوا في هذه التصريحات انعكاسًا لرؤية عدائية أوسع لدى ترامب تجاه الحلف الأطلسي، تقوم على التشكيك في جدوى التحالفات التقليدية وإعادة صياغة العلاقات الدولية بمنطق الصفقة لا الشراكة.
أرقام القتلى تفند رواية البيت الأبيض
الوقائع على الأرض جاءت مناقضة تمامًا لرواية الرئيس الأميركي. فخلال عشرين عامًا من الحرب في أفغانستان، قُتل 3,486 جنديًا من دول الناتو، من بينهم 457 جنديًا بريطانيًا، في واحدة من أثقل الخسائر التي تكبدتها القوات المسلحة البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية. كما فقدت كندا 165 من جنودها، بينما سجلت الدنمارك 44 قتيلًا في القتال، وهو أعلى معدل خسائر للفرد خارج الولايات المتحدة. هذه الأرقام، التي استُحضرت بقوة في الردود السياسية والإعلامية، شكلت دليلًا دامغًا على أن قوات الناتو لم تكن “بعيدة عن الجبهة”، بل في قلب المواجهة.
نواب وضباط سابقون يردون بقسوة
الردود داخل البرلمان البريطاني جاءت حادة وغير مسبوقة. النائب العمالي كالفن بيلي، وهو ضابط سابق في سلاح الجو الملكي خدم في أفغانستان إلى جانب قوات أميركية خاصة، أكد أن تصريحات ترامب “لا تمت للواقع الذي عشناه بصلة”. من جهته، وصف النائب المحافظ بن أوبس-جيكتي، الذي خدم كقائد سرية هناك، كلام ترامب بأنه “مؤلم ومهين لتضحيات بريطانيا وحلفائها”. هذا الإجماع العابر للأحزاب عكس حساسية الملف، واعتبار المساس به مساسًا بشرف المؤسسة العسكرية نفسها.
إهانة للضحايا وتشكيك في القيم المشتركة
رئيس لجنة الدفاع في مجلس العموم، تان ديزي، وصف تصريحات ترامب بأنها “مهينة وصادمة”، معتبرًا أنها تسيء لجنود خاطروا بحياتهم دعمًا لحلفائهم. أما رئيسة لجنة الشؤون الخارجية، إميلي ثورنبيري، فذهبت أبعد من ذلك، قائلة إن ما صدر عن الرئيس الأميركي “أكثر من مجرد خطأ”، بل إهانة مباشرة لعائلات من فقدوا أبناءهم في ساحة القتال. هذا الخطاب عكس قناعة متزايدة داخل المؤسسة السياسية البريطانية بأن الخلاف مع ترامب لم يعد تقنيًا أو دبلوماسيًا، بل بات يمس جوهر القيم التي قام عليها التحالف الغربي.
ماضي ترامب العسكري يعود إلى الواجهة
تصريحات ترامب أعادت أيضًا تسليط الضوء على تاريخه الشخصي في ما يتعلق بالخدمة العسكرية. فقد واجه الرئيس الأميركي انتقادات متجددة لتجنبه الالتحاق بالجيش خلال حرب فيتنام، بحجة معاناته من “نتوءات عظمية” في قدميه، وهي رواية شكك فيها كثيرون على مدار سنوات. قدامى محاربين بريطانيون وصفوا المفارقة بأنها فاضحة، معتبرين أن من تهرب من الخدمة العسكرية لا يملك أي شرعية أخلاقية للتشكيك في تضحيات من قاتلوا وسقطوا. وفي هذا السياق، برزت تحذيرات من أن مثل هذه التصريحات لا تهدد فقط العلاقات السياسية، بل تضرب في العمق الثقة التاريخية بين جيوش الحلف الأطلسي.



