تقرير مترجم: مبادرة الأمن العالمي الصينية في جنوب آسيا: اختبار النفوذ والمعايير بدل التحالفات
خلال عام 2025، واجهت مبادرة الأمن العالمي الصينية (GSI) مواقف متباينة في جنوب آسيا، عكست حالة من الترقب والحذر أكثر من الترحيب الكامل. فبينما كثفت بكين الترويج للمبادرة في المحافل الإقليمية، فضّلت دول مثل نيبال التريث وعدم الانخراط الصريح، في مؤشر على شكوك أوسع لدى دول صغيرة تخشى أن يتحول الانفتاح الأمني على الصين إلى قيد استراتيجي طويل الأمد.
أطلقت بكين المبادرة في أبريل 2022 باعتبارها رداً على ما تصفه بنظام أمني دولي قائم على التحالفات والصدامات. ورفعت شعار “الأمن غير القابل للتجزئة”، واحترام السيادة، ورفض سياسة المحاور، في محاولة لتقديم نفسها كقوة استقرار لا كقوة مراجِعة للنظام الدولي. وفي هذا السياق، برزت جنوب آسيا كساحة اختبار مثالية، بحكم موقعها الجغرافي الحساس، وتشابك تنافس القوى الكبرى فيها، وارتباطها المباشر بمصالح الصين الحدودية والبحرية والاقتصادية.
لكن على أرض الواقع، لا تعمل مبادرة الأمن العالمي كمنظومة أمن جماعي أو تحالف إقليمي، بقدر ما تمثل مظلة خطابية وسياسية تشرعن الانخراط الأمني الثنائي للصين. فهي تركز على إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه: من إدارة المخاطر المشتركة إلى ضبط الاستقرار الداخلي، ومن التعاون متعدد الأطراف إلى الشراكات المرنة الخاضعة لموازين القوة.
المبادرة لا تتضمن التزامات دفاعية أو هياكل مؤسسية دائمة، ولا تفرض على بكين أي قيود ملزمة. هذه المرونة تمنح الصين هامش حركة واسعاً، يتيح لها تقديم الدعم الأمني، والتدريب، ونقل التكنولوجيا، والتعاون الاستخباراتي، تحت لافتة “الأمن والاستقرار”، دون الدخول في تحالفات رسمية على غرار الناتو.
أهمية جنوب آسيا بالنسبة لبكين تنبع من كونها حلقة وصل بين البر الصيني والمحيط الهندي، ومسرحاً للتنافس المباشر مع الهند، القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على موازنة النفوذ الصيني. كما أن هشاشة المؤسسات، والانقسامات السياسية، والتحديات الاقتصادية في دول المنطقة، تجعل بعضها أكثر قابلية لتقبل شراكات أمنية لا ترتبط بشروط سياسية أو حقوقية.
في باكستان، تبدو مبادرة الأمن العالمي امتداداً طبيعياً لشراكة أمنية راسخة. فالعلاقات العسكرية والاستخباراتية بين البلدين سبقت الإعلان عن المبادرة بسنوات، بينما جاء “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني” ليضاعف من رهانات بكين على استقرار الداخل الباكستاني. هنا، لا تضيف المبادرة مضموناً جديداً بقدر ما تمنح غطاءً معيارياً لعلاقة قائمة بالفعل.
أما في سريلانكا، فتستخدم بكين خطاب المبادرة لتوسيع نفوذها دون الظهور كقوة عسكرية مباشرة، مستفيدة من أزمات الديون والموقع البحري الحساس للجزيرة. وفي دول مثل بنغلاديش ونيبال والمالديف، تتحول المبادرة إلى أداة “تحوط”، تسمح بالتعاون مع الصين دون القطيعة مع الهند أو الغرب.
في المقابل، تنظر الهند إلى مبادرة الأمن العالمي باعتبارها أداة صينية لتقويض نفوذها الإقليمي، لا إطاراً تعاونياً حقيقياً. فشعار “الأمن غير القابل للتجزئة” يفقد مصداقيته من وجهة نظر نيودلهي في ظل التوترات الحدودية مع الصين وتعزيز بكين لعلاقاتها مع باكستان. ولهذا تسعى الهند إلى موازنة المبادرة عبر توسيع شراكاتها الدفاعية، سواء من خلال “الرباعية” أو عبر الانفتاح على أوروبا والخليج وجنوب شرق آسيا.
إقليمياً، تسهم مبادرة الأمن العالمي في تعميق تآكل الأطر الجماعية الهشة أصلاً، مثل منظمة “سارك”، وتدفع باتجاه ترتيبات أمنية مجزأة وشخصانية. وعلى المستوى الدولي، تمثل المبادرة تحدياً للنهج الليبرالي الذي يربط الأمن بالحكم الرشيد وحقوق الإنسان، لصالح تصور يضع “استقرار النظام” فوق كل اعتبار.
في المحصلة، لا تبدو مبادرة الأمن العالمي مشروعاً لبناء منظومة أمنية بقدر ما هي أداة لإعادة تشكيل الخطاب والمعايير. قوتها تكمن في مرونتها وقدرتها على التكيف، لكن هذه المرونة نفسها تطرح تساؤلات حول استدامتها ومصداقيتها. وحتى الآن، تظل المبادرة أقرب إلى استراتيجية سياسية مغلفة بلغة الأمن، أكثر منها بديلاً مؤسسياً للنظام الدولي القائم.



