بولندا توسّع ملف تعويضات الحرب ليشمل روسيا.. صراع تاريخي يتحول إلى ورقة سياسية جديدة
تتحرك بولندا نحو فتح جبهة تاريخية وقانونية جديدة عبر إعداد مطالبة بتعويضات حرب ضد روسيا بسبب الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال فترة الهيمنة السوفيتية، في خطوة تعكس تصاعد التوترات السياسية بين الجانبين وتعيد إحياء ملفات الماضي في سياق الصراع الجيوسياسي الحالي في أوروبا الشرقية. وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من مطالبة وارسو بتعويضات ضخمة من ألمانيا عن أضرار الحرب العالمية الثانية، وسط جدل داخلي وخارجي بشأن جدوى تلك المطالب وتأثيرها على العلاقات الدولية، وفقًا لتقرير صحيفة فايننشال تايمز حسب المصدر.
تحقيق موسع في جرائم الحقبة السوفيتية
تعمل الحكومة البولندية بقيادة رئيس الوزراء دونالد توسك على إعداد تحقيق تاريخي واسع النطاق حول الانتهاكات التي تعرضت لها البلاد خلال فترة النفوذ السوفيتي. ويقود فريق البحث مجموعة من المؤرخين والخبراء بهدف توثيق الجرائم والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية طويلة المدى التي خلفها الحكم السوفيتي. ويؤكد المسؤولون أن هذا التحقيق سيكون أكثر تعقيدًا من الدراسة السابقة المتعلقة بالجرائم النازية، نظرًا لطول الفترة التي خضعت فيها بولندا للنفوذ السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية.

تحديات قانونية وتاريخية أمام المطالبة بالتعويضات
يواجه التحقيق البولندي عقبات كبيرة، أبرزها صعوبة الوصول إلى الأرشيفات الروسية الحساسة، إضافة إلى احتمال تدمير أو تزوير العديد من الوثائق خلال الحقبة السوفيتية. ويرى الباحثون أن هذا الملف يمثل مشروعًا طويل الأمد يتطلب جهودًا أكاديمية وقانونية معقدة قبل تحديد حجم التعويضات المحتملة. كما لم تستبعد وارسو أن تتجاوز المطالب المالية المستقبلية تلك التي قدمتها سابقًا ضد ألمانيا، والتي بلغت نحو 1.3 تريليون يورو.
توتر سياسي متصاعد مع موسكو
تزامنت الخطوة البولندية مع اتهامات متكررة توجهها وارسو إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتكثيف ما تصفه بالحرب الهجينة ضد البلاد، عبر الهجمات السيبرانية وعمليات التجسس وانتهاكات المجال الجوي باستخدام طائرات مسيرة. وترى الحكومة البولندية أن فتح ملف التعويضات يعكس موقفًا سياسيًا واستراتيجيًا لمواجهة الضغوط الروسية ومحاولات إعادة صياغة الرواية التاريخية المتعلقة بالحرب العالمية الثانية.
جدل داخلي حول تعويضات ألمانيا ودوافع الملف الروسي
لا تزال مطالب بولندا بالتعويضات من ألمانيا محل خلاف سياسي داخلي، إذ تتهم المعارضة اليمينية الحكومة الحالية بالتقاعس عن الضغط على برلين لدفع التعويضات. في المقابل، ترى بعض القوى السياسية أن فتح ملف التعويضات ضد روسيا قد يُستخدم كأداة لصرف الانتباه عن الجمود في المفاوضات مع ألمانيا، ما يعكس انقسامًا سياسيًا حول كيفية التعامل مع ملفات التاريخ والحرب.

مذبحة كاتين.. جرح تاريخي في العلاقات البولندية الروسية
يُعد ملف مذبحة كاتين أحد أبرز القضايا التي تستند إليها بولندا في مطالبها، حيث قُتل نحو 22 ألف ضابط ومدني بولندي على يد القوات السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم اعتراف البرلمان الروسي لاحقًا بمسؤولية القيادة السوفيتية عن المجزرة، فإن الخلافات حول تفسير الأحداث التاريخية ما زالت تشكل نقطة توتر رئيسية بين البلدين، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الروسي الذي يعيد قراءة أحداث الحرب العالمية الثانية بطريقة تثير اعتراض وارسو.
أبعاد سياسية داخلية وخارجية للمطالبة الجديدة
يرى محللون أن الحكومة البولندية تسعى من خلال هذا الملف إلى تحقيق هدفين متوازيين؛ الأول مواجهة حملات التضليل الروسية بشأن التاريخ الأوروبي، والثاني إثبات أن الدفاع عن المصالح الوطنية لا يقتصر على التيارات اليمينية. في الوقت نفسه، يواصل الرئيس البولندي كارول ناوروكي الضغط على ألمانيا للاعتراف الكامل بمسؤوليتها التاريخية، بينما يحاول المستشار الألماني فريدريش ميرتس تخفيف التوتر عبر مبادرات رمزية مثل إعادة آثار بولندية منهوبة وبناء نصب تذكاري في برلين، دون الالتزام بدفع تعويضات مالية مباشرة.



