كنوز تحت الأرض: مناجم الفحم الغارقة في بريطانيا تتحول إلى مصدر طاقة نظيفة للأجيال القادمة
كشف تقرير علمي جديد أن مناجم الفحم المهجورة والمغمورة بالمياه في بريطانيا يمكن أن تصبح مصدرًا مستدامًا ومنخفض الكربون لتدفئة المنازل، ما قد يغيّر مستقبل الطاقة في البلاد ويخفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 20%.
تكنولوجيا بسيطة وفعالة
تعمل تقنية تُعرف باسم الحرارة الجوفية من مياه المناجم (MWGH) على استغلال المياه الدافئة في المناجم الغارقة لتوفير حرارة منخفضة الكربون.
تُضخ المياه إلى مبادلات حرارية، ثم تُنقل الحرارة عبر شبكات مركزية إلى المنازل والمباني، ما يوفّر طاقة مستقرة ورخيصة على المدى الطويل.
ويقدّر التقرير أن ربع منازل المملكة المتحدة تقع فوق مناجم غارقة يمكن استغلالها بهذه الطريقة، ما يجعلها فرصة استراتيجية لتدفئة ملايين الأسر، خصوصًا في المناطق التي كانت تعتمد تاريخيًا على الفحم.
مشروعات ناجحة تؤكد جدوى الفكرة
في مدينة غيتسهيد (Gateshead)، تُشغّل شركة الطاقة المحلية نظامًا بقدرة 6 ميغاواط من هذا النوع، يغطي نحو 40% من شبكة التدفئة في المدينة.
أما شركة Lanchester Wines فتستخدم النظام نفسه لتدفئة 30 ألف متر مربع من مستودعاتها، مؤكدة أن التكلفة والانبعاثات انخفضت بمقدار يتراوح بين أربعة وستة أضعاف.
تقول البروفيسورة سيمون أبرام، مديرة معهد الطاقة بجامعة دارم:
“هذه التقنية ليست معقدة تكنولوجيًا، ويمكن توسيعها على نطاق وطني خلال خمس سنوات فقط إذا توفّر الدعم الحكومي والإداري الكافي.”
فوائد اقتصادية للمجتمعات الفقيرة
يشير التقرير إلى أن مشاريع الطاقة الجوفية من المناجم يمكن أن تخلق وظائف متخصصة عالية الجودة في مجالات الحفر والهندسة وإدارة الشبكات، وهو ما يعيد الحياة إلى مناطق الفحم الفقيرة اقتصاديًا.
وتؤكد أبرام أن هذه المشاريع يجب أن تبقى مملوكة للمجتمعات المحلية لضمان أن الأرباح لا تذهب إلى الشركات المالية الكبرى وحدها.
عوائق التمويل والتشريعات
ورغم وضوح الفوائد، فإن انتشار هذه التقنية ما زال بطيئًا بسبب ارتفاع تكاليف الإنشاء الأولى وغياب إطار تنظيمي موحّد، إذ لا يُعترف قانونيًا بالحرارة كمورد طبيعي بعد.
لذلك، يدعو التقرير الحكومة البريطانية إلى تقديم حوافز مالية مثل القروض منخفضة الفائدة، ودعم التأمين للحفر الاستكشافي، ووضع قوانين واضحة لتنظيم استغلال الحرارة الجوفية.
الوعي المجتمعي هو المفتاح
يشير الخبراء إلى أن نجاح الفكرة يعتمد على إشراك السكان المحليين. تقول أبرام:
“عندما يدرك الناس أن الأرض تحت منازلهم تحمل مصدر طاقة مجاني ونظيف، يتحمسون فورًا، لكن يجب أن يشعروا أن المشاريع تُقام معهم وليس عليهم.”
مناجم الأمس المظلمة تتحول إلى دفء الغد النظيف
يبدو أن ما كان يومًا رمزًا لتلوث الهواء والانبعاثات يمكن أن يصبح جزءًا من الحل لمستقبل طاقة نظيف ومنخفض التكلفة.
ومع الإرادة السياسية والدعم الشعبي، قد تكون مياه مناجم الفحم البريطانية هي وقود التدفئة المستدامة للأجيال القادمة



