نتنياهو يرفع سقف المواجهة: تل أبيب تستعد لحرب مفتوحة على كل الجبهات
تسارعت وتيرة التصعيد في المشهد الأمني الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة، مع إطلاق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سلسلة تصريحات حادة تؤكد تصميم حكومته على استكمال الحرب “في كل الجبهات”، في إشارة واضحة إلى أن تل أبيب تتجه نحو مرحلة أكثر اتساعًا من العمليات العسكرية داخل غزة وخارجها. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتعزز فيه الاتهامات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، وسط تأكيد نتنياهو أن إسرائيل قامت بضرب أهداف إيرانية ومستعدة لتكرار ذلك عند الضرورة، الأمر الذي يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن الصراع تجاوز حدود قطاع غزة إلى مسرح إقليمي معقّد. وفي موازاة الخطاب التصعيدي، تبدو تل أبيب متمسكة بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتسوية، باعتبارها الإطار الذي يمكن أن يعيد صياغة موازين القوة داخل غزة، بدءًا من نزع السلاح ووصولًا إلى إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية. وبين اندفاع عسكري متزايد وضغوط دولية متشابكة، تقف المنطقة أمام مرحلة حساسة ترسم ملامح النظام الأمني المقبل.
تصريحات متصاعدة ورسائل حربية
أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته “مصممة على استكمال الحرب في كل الجبهات”، مضيفًا أن الهدف المركزي يتمثل في تجريد حركة حماس من سلاحها بشكل كامل. وتصاعدت حدة الخطاب عندما أشار إلى أن إسرائيل قامت بالفعل بضرب إيران، وأنها “مستعدة لتنفيذ ذلك مرة أخرى”، في رسالة مباشرة تعكس رغبة تل أبيب في تعزيز الردع الإقليمي وربط المعركة داخل غزة ببنية أوسع من التهديدات. وتتقاطع هذه التصريحات مع تقييمات أمنية داخلية تعتبر أن الحرب الحالية تشكل اختبارًا لمستوى جاهزية إسرائيل للانتقال من جبهة إلى أخرى. كما تأتي بالتزامن مع مخاوف دولية من اتساع دائرة الصراع، في ظل تلميحات إسرائيلية بأن المعركة لن تتوقف عند حدود غزة، وإنما قد تمتد لتطال أطرافًا عدة ترى تل أبيب أنها توفر دعمًا مباشرًا للجماعات المسلحة داخل القطاع، ما يرفع سقف التوتر في منطقة شديدة الحساسية.
خطة ترامب: إعادة رسم شكل غزة ما بعد الحرب
أعلن مكتب نتنياهو أن الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل “طريقًا نحو السلام والازدهار”، لأنها ترتكز بشكل واضح على نزع السلاح الكامل لقطاع غزة. وتنص الخطة، كما نشرتها صحيفة “يديعوت أحرونوت”، على ضرورة تسليم جميع جثامين المحتجزين دون تأخير، وبدء مرحلة شاملة لنزع سلاح حماس والجماعات المسلحة الأخرى. وتولي الخطة أهمية كبيرة لإعادة بناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية، من خلال تدريب قوة شرطة مُعاد تشكيلها قادرة على ملء الفراغ الأمني في مرحلة ما بعد الحرب. وبالنسبة لإسرائيل، فإن أبرز ما يجعل الخطة جذابة هو دمجها بين الاستقرار الأمني والتحكم السياسي، بما يسمح لتل أبيب بفرض شروطها على أي مرحلة انتقالية. وتعتبر واشنطن أن الخطة لا بد أن تقود إلى إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية بما يتماشى مع متطلبات الأمن الإسرائيلي، ما يجعلها مشروعًا استراتيجيًا يتجاوز إطار وقف إطلاق النار التقليدي.
القوة الدولية: خطوة نحو إدارة متعددة الأطراف للأزمة
اعتمد مجلس الأمن قرارًا صاغته الولايات المتحدة يجيز إنشاء قوة دولية للاستقرار في قطاع غزة لمدة أولية تمتد لعامين، تتعاون بشكل مباشر مع إسرائيل ومصر. وتُكلَّف هذه القوة بتأمين الحدود، حماية المدنيين، الإشراف على توزيع المساعدات الإنسانية، وتدريب الشرطة الفلسطينية الجديدة. كما يتولى “مجلس السلام” الانتقالي، برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنسيق الجهود الأمنية والإنسانية ومتابعة إعادة الإعمار. ويهدف هذا الإطار إلى خلق واقع جديد داخل القطاع يتيح إدارة أمنية مشتركة يمنع عودة حماس إلى الحكم. ويُنظر إلى القرار باعتباره خطوة مفصلية تضع غزة تحت منظومة رقابة دولية أشبه بترتيبات ما بعد النزاعات الكبرى. في المقابل، يتوجس كثيرون من أن يؤدي هذا التدخل الواسع إلى صدام سياسي جديد، في ظل عدم وضوح مدى تجاوب القوى الفلسطينية الداخلية مع ترتيبات أمنية تحمل طابعًا دوليًا مباشرًا، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهات متعددة.
تحولات إقليمية وضغوط متشابكة
تكشف التطورات الأخيرة أن إسرائيل لا تتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة مع حماس فحسب، بل باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل التوازن الإقليمي بأكمله. فالتوتر مع إيران، والتحركات الأمريكية داخل مجلس الأمن، ومساعي واشنطن لفرض ترتيبات أمنية دولية في غزة، كلها عوامل تعيد صياغة المشهد بتداخل غير مسبوق بين القوى المحلية والإقليمية والدولية. وبينما يعزز نتنياهو خطابه العسكري داخليًا للحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم، يواجه في الوقت نفسه ضغوطًا متزايدة من المجتمع الدولي المطالب بتهدئة وتخفيف الكلفة الإنسانية للحرب. وفي هذا السياق، تبدو المنطقة مقبلة على لحظة تحول حرجة، إذ سيحدد نجاح أو فشل الخطة الأمريكية مستقبل العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ومسار النفوذ الإيراني في المنطقة، ومدى قدرة واشنطن على إعادة ضبط الإيقاع الأمني في الشرق الأوسط، في وقت ترتفع فيه احتمالات انزلاق الساحة إلى مواجهة أوسع إذا تعثرت المسارات الدبلوماسية.



