واشنطن تضيق الخناق على مادورو… ومعركة فنزويلا تدخل مرحلة تحديد المصير
تشهد الأزمة الفنزويلية منعطفًا حاسمًا مع تصاعد الضغوط الأميركية واشتداد حالة الاستقطاب الداخلي، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تجعل البلاد أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وبينما تحاول واشنطن تكثيف أدوات الضغط لإعادة تشكيل موازين القوى السياسية قبل الاستحقاقات المرتقبة، يسعى النظام بقيادة نيكولاس مادورو إلى تعزيز موقعه عبر خطاب مزدوج يمزج بين التحدي والانفتاح المشروط. ويتزامن هذا المشهد المعقد مع تزايد التحركات الإقليمية والدولية الساعية إلى منع انزلاق فنزويلا نحو مزيد من عدم الاستقرار، خصوصًا بعدما تحولت إلى نقطة ارتكاز في صراع النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. وفي الوقت الذي تراهن فيه المعارضة على اللحظة الاقتصادية الحرجة لإضعاف قبضة السلطة، يبدو أن واشنطن تهيئ الأرضية لمرحلة سياسية جديدة، قد تتجاوز منطق العقوبات التقليدية إلى سيناريوهات أشد تأثيرًا على بنية الحكم في كاراكاس.
تصعيد الضغوط الأميركية
تكثّف الولايات المتحدة أدوات نفوذها التقليدية وغير التقليدية لدفع القيادة الفنزويلية نحو مسار سياسي يحد من نفوذ مادورو ويعزز فرص المعارضة في إعادة التوازن إلى المشهد الداخلي. ففي الفترة الأخيرة، فرضت واشنطن عقوبات جديدة طالت قطاعات الطاقة والمعادن والتحويلات المالية، ما أضعف قدرة المؤسسات الرسمية على تأمين الموارد الأساسية للدولة. كما تعمل الإدارة الأميركية على تنسيق مواقفها مع عواصم إقليمية بارزة، مثل بوغوتا وبرازيليا، لضمان توحيد المواقف بشأن مستقبل فنزويلا السياسي. وتستهدف هذه الإجراءات منع النظام من الالتفاف على الضغوط الدولية عبر الشراكات الخارجية مع موسكو وبكين، في ظل مخاوف أميركية من تحوّل البلاد إلى منصة نفوذ منافس على حدودها الاستراتيجية.
التصنيف الإرهابي والضغوط القانونية
يمثل التلويح الأميركي بإعادة تصنيف بعض أجنحة السلطة الفنزويلية كـ«منظمات إرهابية» تحركًا نوعيًا يزيد من عزلة النظام ويضع رموزه أمام تهديدات قانونية مباشرة. فمثل هذا التصنيف سيتيح لواشنطن ملاحقة مسؤولين مقربين من مادورو، وتجميد أصولهم، وتتبع أي أنشطة مالية مرتبطة بهم داخل الولايات المتحدة وخارجها. ويترافق ذلك مع توسيع شبكة التعاون مع أجهزة أمنية أوروبية وأميركية لاتينية لضمان تطبيق العقوبات بصرامة أكبر ومنع عمليات الالتفاف المعروفة التي يلجأ إليها النظام لتأمين موارده. ويثير هذا المسار حالة قلق متزايدة داخل المؤسسات الفنزويلية، إذ يدرك عدد من المسؤولين أن ملفاتهم قد تتحول بين ليلة وضحاها إلى قضايا جنائية عابرة للحدود، ما قد يدفع بعضهم إلى الابتعاد عن دوائر صنع القرار للحفاظ على مصالحهم.
رسائل مادورو ومناورات الحوار
يحاول الرئيس نيكولاس مادورو إرسال رسائل مزدوجة للمجتمع الدولي مفادها أنه لا يزال منفتحًا على المسار السياسي، شريطة احترام «السيادة الوطنية» وعدم التدخل المباشر في شؤون البلاد. ويواصل مادورو التلميح إلى إمكانية قبول وساطات إقليمية، خصوصًا من البرازيل والمكسيك، لتأمين مخرج تفاوضي يخفف من حدة الضغوط الاقتصادية التي باتت تهدد استقرار الداخل. وفي الوقت ذاته، يعمل على تعزيز شبكات الدعم داخل المؤسسة العسكرية عبر خطاب يقوم على مواجهة «الحصار الأميركي» وتثبيت تماسك البنية الأمنية حوله. ويبدو أن مادورو يسعى إلى موازنة صورته بين زعيم صامد أمام العقوبات وقائد مستعد للحوار، بما يسمح له بكسب الوقت وإعادة ترتيب البيت الداخلي قبل لحظة مفصلية قد تغيّر ملامح الحكم في فنزويلا.
معركة المعارضة وإعادة رسم المستقبل
تعوّل المعارضة الفنزويلية على الوضع الاقتصادي المتدهور لاستعادة حضورها الشعبي، مدعومة بشبكة دعم دولية ترى أن الظروف الحالية تمثل فرصة تاريخية للضغط من أجل انتقال سياسي منظم. وتعمل قوى المعارضة على توحيد صفوفها بعد سنوات من الانقسام، من خلال طرح رؤية مشتركة ترتكز على التعافي الاقتصادي وإعادة دمج فنزويلا في النظام المالي العالمي. كما تسعى إلى استثمار الموقف الأميركي الصارم لبناء مسار تفاوضي يمنحها موقعًا أقوى على طاولة النقاش. وفي الوقت الذي يواجه فيه المواطن الفنزويلي تضخمًا غير مسبوق ونقصًا حادًا في الخدمات الأساسية، تحاول المعارضة تحويل هذا الغضب الاجتماعي إلى قوة سياسية مستدامة تؤسس لمرحلة جديدة قد تنهي سنوات طويلة من الجمود والاضطراب.
موازين جديدة واستحقاقات حاسمة
تكشف التطورات المتسارعة أن فنزويلا تقف على أعتاب مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع الضغوط الدولية في مشهد يزداد توترًا يومًا بعد يوم. وبينما تواصل واشنطن توسيع أدوات الضغط لإعادة توجيه مسار الأزمة، يدرك نيكولاس مادورو أن أي تراجع اقتصادي إضافي قد يغيّر موازين القوى بطريقة لا يمكن السيطرة عليها، خاصة في ظل تراجع الثقة الشعبية واتساع الاستقطاب السياسي. وفي المقابل، تبدو المعارضة أمام اختبار مصيري يتمثل في قدرتها على تحويل السخط الشعبي إلى مشروع سياسي منظم يعيد بناء المؤسسات ويستقطب دعم المجتمع الدولي. وفي هذه اللحظة الحساسة، تبدو جميع الأطراف مضطرة لاتخاذ قرارات أكثر جرأة، ما يجعل مستقبل البلاد مفتوحًا على احتمالات قد تعيد رسم خريطة النفوذ في أميركا اللاتينية.



