بوتين: الشراكة المصرية-الروسية تدفع مشروع الضبعة النووي إلى مرحلة جديدة من التعاون والتطوير

شهد التعاون بين مصر وروسيا خطوة محورية جديدة خلال مراسم وضع هيكل الاحتواء لمفاعل الوحدة الأولى في محطة الضبعة النووية، في حدث يعكس بوضوح حجم التقدم الذي يحققه المشروع الأكثر طموحًا في تاريخ البنية التحتية للطاقة في مصر. وجاءت كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي ألقاها عبر الفيديو من موسكو، لتؤكد عمق الشراكة بين البلدين ودور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في إطلاق هذا المشروع منذ بدايته. ويكتسب الحدث أهمية خاصة، لأنه لا يمثل تقدمًا إنشائيًا فقط، بل يرسّخ انتقال مصر إلى مرحلة جديدة في إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية، عبر مفاعلات آمنة ومتطورة تلبّي احتياجات البلاد لعقود مقبلة. كما يسلط الضوء على اتساع نطاق التعاون بين القاهرة وموسكو، من تبادل الخبرات الفنية إلى المشاركة في أحدث تكنولوجيا المفاعلات النووية، ما يجعل مشروع مفاعل الضبعة نموذجًا لتعاون استراتيجي طويل المدى بين البلدين، يعيد تشكيل مستقبل الطاقة في المنطقة.
آفاق جديدة للتعاون النووي
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كان المحرك الرئيسي وراء إطلاق مشروع محطة الضبعة النووية، مشيرًا إلى أن المشاركة في هذه اللحظة تمثل شرفًا كبيرًا لروسيا ولجميع من ساهموا في تنفيذ المشروع. وأوضح بوتين أن الوحدة الأولى قادرة على إنتاج نحو 460 ميجاوات، مع زيادة متوقعة في القدرات تصل إلى 35 ألف كيلووات بفضل المراحل اللاحقة من المشروع، ما سيسهم في تعزيز منظومة الكهرباء الوطنية ودعم خطط الدولة للتوسع في الطاقة النووية السلمية. ولا يقتصر التعاون بين مصر وروسيا على الجانب الإنشائي، بل يشمل نقل المعرفة وتبادل الخبرات الفنية، بما يدعم تأهيل الكوادر المصرية للعمل في مختلف مراحل التشغيل والصيانة. ويعكس هذا التعاون مدى التزام البلدين ببناء نموذج متكامل لإدارة مفاعل الضبعة وفق أعلى معايير الأمان والجودة العالمية.
وعاء ضغط المفاعل… حجر أساس في منظومة الأمان
يمثل وعاء ضغط المفاعل أحد أكثر المكوّنات حساسية في أي محطة نووية، إذ يحتوي في داخله قلب المفاعل الذي تُجرى فيه سلسلة التفاعلات النووية تحت أعلى مستويات التحكم والأمان. وبحسب هيئة المحطات النووية المصرية، يتميز هذا الوعاء بقدرته الكبيرة على تحمل درجات حرارة وضغوط هائلة، مع ضمان إحكام كامل يمنع أي نسبة من التسرب، ما يجعله عنصرًا محوريًا في سلامة تشغيل مفاعل الضبعة النووي. وقد تم تصنيع الوعاء في مصنع “إيجورا” التابع لمؤسسة “روساتوم” الروسية، بوزن يتجاوز 330 طنًا، وهو ما يعكس ضخامة وتعقيد مكوّنات هذا النوع من المفاعلات. وشهدت مراحل التصنيع مشاركة مستمرة من خبراء مصريين في التفتيش والمتابعة، لضمان الالتزام الدقيق بالمعايير الفنية والجودة الشاملة، وهو ما يرسل رسالة واضحة مفادها أن مصر تتجه لبناء قاعدة خبرات فنية مستقلة وقادرة على إدارة التكنولوجيا النووية بكفاءة عالية.
الضبعة… أول محطة نووية مصرية تدخل عصر المفاعلات المتقدمة
تعد محطة الضبعة النووية أول مشروع نووي لإنتاج الكهرباء في تاريخ مصر، وهي محطة ضخمة تضم أربع وحدات قدرة 1200 ميجاوات لكل منها، تعمل بتقنية مفاعلات الماء المضغوط من طراز VVER-1200، وهو أحد أكثر المفاعلات تطورًا من الجيل الثالث المطور. وتستند أعمال الإنشاء إلى العقود الموقعة بين مصر وروسيا منذ ديسمبر 2017، والتي تنص على قيام الجانب الروسي بعمليات البناء كاملة، إضافة إلى توريد الوقود النووي طوال العمر التشغيلي للمحطة. كما تشمل الاتفاقات تدريب وتأهيل الكوادر المصرية على التشغيل والصيانة خلال السنوات العشر الأولى، إلى جانب بناء منشآت تخزين الوقود المستنفد وتوفير الحاويات الخاصة به. وتُعد هذه المنظومة جزءًا أساسيًا لضمان استدامة تشغيل المفاعل وتحقيق أعلى مستويات الأمان، ما يجعل المشروع خطوة استراتيجية كبرى تعزّز قدرة مصر على إنتاج كهرباء نظيفة وآمنة اعتمادًا على الطاقة النووية.
نقلة استراتيجية نحو مستقبل الطاقة في مصر
يمثل التقدم المتواصل في مشروع محطة الضبعة النووية تحولًا نوعيًا في نظرة مصر إلى مستقبل الطاقة، إذ يضع الدولة على مسار جديد يعتمد على مصادر ثابتة وموثوقة قادرة على تلبية الطلب المتزايد لعقود طويلة. ولا يقتصر الأمر على الجانب التقني فحسب، بل يعكس أيضًا قدرة مصر وروسيا على بناء شراكة ممتدة تتضمن نقل الخبرات وتطوير الكفاءات المحلية، بما يرسخ اعتماد القاهرة على كوادرها الوطنية في إدارة أكبر مشروع نووي في المنطقة. كما يتوقع أن يسهم تشغيل وحدات مفاعل الضبعة في تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية وتحسين كفاءة الإنتاج، بالتزامن مع خطط الدولة لتنويع مصادر الطاقة وخفض الانبعاثات. وبذلك يتحول المشروع من مجرد محطة كهرباء إلى ركيزة استراتيجية تدعم النمو الاقتصادي وتُرسخ مكانة مصر الإقليمية في مجال الطاقة النووية.



