تقرير مفصل: استقالة مدير مكتب زيلينسكي بعد مداهمة منزله… أكبر هزة سياسية في كييف منذ بدء الحرب
تعيش أوكرانيا منعطفًا سياسيًا حادًا بعد استقالة أندريه يرماك، مدير مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي، التي تلت مداهمةٍ رسميةٍ لمنزله نفذتها هيئات مكافحة الفساد. وقع الحدث في توقيتٍ بالغ الحساسية يتزامن مع مفاوضات متعددة الأطراف حول مشروع سلام أثار جدلاً دوليًا، ما جعل من رحيل يرماك حدثًا ذا دلالات محلية وإقليمية. يرماك، المعروف بدوره المركزي في إدارة الملفات الأمنية والدبلوماسية، كان حلقة وصل حاسمة بين كييف وشركائها الغربيين، كما قاد ملفات التفاوض والإفراج عن الأسرى خلال سنوات النزاع. لذلك، لا يقتصر أثر استقالته على المؤسسة الرئاسية فحسب، بل يمتد إلى قدرة الدولة على الحفاظ على ثبات موقفها في المفاوضات، وعلى ثقة الدول المانحة والداعمة في قدرات القيادة الأوكرانية. ووسط تضارب المعلومات والتكهنات الإعلامية، أصبح من الضروري تقييم انعكاسات هذه الاستقالة على بنية السلطة، وعلى المسارات الدبلوماسية والعسكرية المتقاطعة. هذا التقرير يحلل خلفيات الحدث، أسباب المداهمة، ردود الفعل المحلية والدولية، والسيناريوهات المحتملة لتداعياته على المسار السياسي والأمني لأوكرانيا.
الرجل الأقوى في الدائرة الضيقة
أندريه يرماك لم يكن مجرد منصب بروتوكولي بل شخصية محورية في تعاطي القيادة الأوكرانية مع أزمات الحرب. خلال السنوات الماضية بات يُنظر إليه كمنسق رئيسي بين الرئاسة والدوائر الأمنية والاستخباراتية، وإدارة لملفات التفاوض الحساسة مع الشركاء الدوليين. وقد أوكلت إليه مهام دقيقة شملت متابعة ميادين الدعم العسكري والدبلوماسي، بالإضافة إلى توليه وساطات الإفراج عن أسرى الحرب ومفاوضات تبادلهم. أسلوبه المركز في اتخاذ القرار وكثافة تدخله في الشؤون التنفيذية أثارا إعجاب مؤيديه الذين رأوا فيه ركناً ثابتًا في لحظات الانهيار، في حين انتقده مخالفوه معتبرين أن تمركز الصلاحيات في يد واحدة قد يحدّ من شفافية اتخاذ القرار ويعرّض المؤسسة لاحتكاكٍ سياسي داخلي، لا سيما في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة تتطلب توزيع المسؤوليات وتكثير نقاط القيادة. هذا التركيب الوظيفي والرمزي لِيرماك يفسّر حجم التأثير الذي خلّفه رحيله على المشهد السياسي.

المداهمة التي أشعلت الأزمة
أعلنت هيئات مكافحة الفساد أن مداهمة ملكية تُنسب لأندريه يرماك جاءت ضمن تحقيقات قيّدت نشر تفاصيلها، مما أثار موجة من التكهنات في الوسط السياسي والإعلامي. المداهمة نفسها نفذت صباح الجمعة وأُرفقت بإجراءات بحث وجمع أدلة تهدف إلى التحقق من مزاعم تتعلق بسلوك وممارسات مالية وإدارية لم تُفصح المصادر عنها بعد. سارعت أحزاب ومعارضون إلى تفسير الحدث وفق حساباتهم السياسية، بعضهم رأى فيه مؤشرًا على أن المؤسسات القضائية تعمل باستقلالية، فيما اعتبره آخرون خطوة قد تُستغل لتصفية حسابات داخلية. الرد الغربي تباين بين متابعة حذرة وإشارات إلى ضرورة احترام سيادة القانون، بينما استثمرت الدعاية الروسية الحادث لصياغة رواية تُظهر كييف في موقف ضعفٍ داخلي. التركيز الآن ينصب على نتيجة التحقيقات وما إذا كانت ستؤدي إلى اتهامات رسمية أو تبرئة، لكن الأهم يبقى الانعكاس السياسي الفوري الذي أحدثته المداهمة على ثقة الشركاء والداخل معًا.
الاستقالة كخطوة احترازية
أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي قبول استقالة يرماك في بيان رسمي، مؤكداً أن القرار هدفه حماية مؤسسات الدولة والحفاظ على نزاهة التحقيقات. في سياق الخطاب، بدا أن الرئاسة تسعى إلى تقليل الاحتقان الداخلي وطمأنة الشركاء الدوليين بأن أوكرانيا تحترم مبدأ سيادة القانون ومكافحة الفساد. هذا الطرح يُفسر كخطوة استباقية لتفادي أي استغلال سياسي للملف أمام ساحة التفاوض الدولية، حيث تزايد القلق من أن قضية بهذا الحجم قد تُستغل لتقويض وحدة القيادة. ومع ذلك، يرى محللون أن قبول الاستقالة لن يحل العقدة السياسية من جذورها، لأن المسألة تتجاوز حظوظ فردية لتلامس ثغرات إدارية ومؤسسية أطول أمداً. القرار أيضاً يحمل بُعدًا رسالياً داخلياً؛ إذ أراد الزعيم إرسال إشارة بأن لا حصانة لأحد، وأن محاسبة المسؤولين ستكون جزءًا من السرد الوطني في زمن الحرب.
مفاوضات حساسة على المحك
تتزامن الاستقالة مع مرحلة تفاوضية دقيقة بين كييف وواشنطن حول مشروع سلام أثار جدلاً بسبب بنوده التي قد تتطلب توازنات إقليمية وسياسية دقيقة. كان يرماك يشغل موقعاً مركزياً في تشكيل الموقف التفاوضي الأوكراني، ويعتبره كثيرون العقل المدبر لخطوط الاتصال مع الجانب الأمريكي وحلفاء آخرين. غيابه يطرح أسئلة عملية حول من سيملأ هذا الفراغ سريعاً لإدارة ملف التفاوض دون خسارة المصداقية أو استنزاف الوقت. من ناحية أخرى، قد تستفيد الأطراف المعنية بضغط الزمن من أي ارتباك يعيق تحرّك وفد كييف، بينما تحاول الدولة تجنّب أي شائبة قد تُضعف موقفها التفاوضي. المعطيات تشير إلى أن زيلينسكي سيواجه اختبارًا مزدوجًا: الحفاظ على قوة التفاوض وإقناع الداخل بأن التغيير لا يضر بالاستراتيجية الوطنية، وهو تحدٍ لن يكون سهلاً في ظل انقسام الأصوات بشأن مسار السلام.

ارتدادات أوروبية وإقليمية
وقعت الاستقالة في إطار جغرافي سياسي متوتر تشهده أوروبا نتيجة خلافات حول آليات دعم أوكرانيا وسبل استخدام الأصول الروسية المجمدة، إضافةً إلى محاولات موسكو استغلال أي انقسام أوروبي لصالحها. لعبت مواقف دول أوروبية متباينة دوراً في تأجيج المناقشات حول تمويل الحرب وإدارة الأزمات، فبينما دعت عواصم إلى تقاسم المخاطر، تعرّضت أفكارٌ أخرى لاعتراضات قانونية وسياسية. في الوقت نفسه، سعت بعض الدول إلى الحفاظ على وحدة الموقف لدعم كييف، لكن الإخفاقات في بلورة آليات تمويلية مؤثرة أضرت بقدرة الرد الأوروبي الموحد. بالإضافة إلى ذلك، شهدت العلاقات عبر الأطلسي مضاعفات في التعامل مع مبادرات سلام تتطلب توازناً بين دعم أوكرانيا والحفاظ على استقرار النظام الدولي. هذه الخلفية الإقليمية تزيد حساسية الوضع السياسي الداخلي في كييف، لأن أي ضعف محتمل قد يُترجم إلى تراجع في مستوى الدعم أو تغيّر شروط المشاركة الغربية في الملف الأوكراني.
الانعكاسات المتوقعة داخليًا
تشير التقديرات إلى أن رحيل يرماك سيفتح ساحةً لمعادلات جديدة داخل القواعد السياسية والإدارية في أوكرانيا. أول الظواهر المتوقعة هي محاولة أحزاب ودوائر رسمية استغلال الفراغ لصقل مواقعها أو توسيع نفوذها، ما قد يعيد تشكيل ائتلافات دعم الرئيس. ثانيًا، سيواجه الجهاز الأمني والاستخباراتي تحديات تنسيق مؤقتة قد تؤثر على سرعة اتخاذ القرار في الملفات الحساسة، لا سيما على صعيد تبادل المعلومات مع الحلفاء. ثالثًا، سيثير الحدث نقاشًا عامًا حول الشفافية والمساءلة، وسيضع ضغوطًا على المؤسسات القضائية لإظهار نتائج ملموسة لتبرئة الأسماء أو محاسبة المخطئين. أخيرًا، فإن ثقة الجمهور والقاعدة الانتخابية ستكونان في منظار الاختبار؛ إذ يجب أن تبرهن الإدارة على قدرتها على إدارة الأزمة دون أن تفقد الشرعية أو الدعم الشعبي الحيوي خلال زمن الحرب. كما أن أي تراجع مؤسسي قد ينعكس مباشرة على فعالية الحملات الداخلية وجمع الموارد والدعم اللوجستي للجهود العسكرية والحياة المدنية، مما يجعل من إدارة التعافي السياسي أولوية قصوى للحكومة.

مرحلة انتقالية صعبة داخل السلطة
مع قبول الاستقالة، دخلت كييف مرحلة انتقالية تتطلب اختيار بديل قادر على استيعاب ملفات متعددة وبناء ثقة سريعة مع الشركاء الدوليين. هذا الاختيار لا يقتصر على الكفاءة الإدارية فحسب، بل يمتد إلى القدرة على إدارة رسائل سياسية دقيقة وإعادة توحيد فريق العمل حول أجندة وطنية واضحة. من المتوقع أن يسارع زيلينسكي إلى استشارات مكثفة مع نواب وبرلمانيين وممثلي حلفاء خارجيين لتقليل فترة الفجوة، لكن أي تعثر في التعيين قد يخلق فرصة لخصوم داخلية لتكريس مراكز قوة بديلة. بالإضافة إلى ذلك، سيكون المطلوب من المرشح الجديد أن يثبت فورًا جدارته بالتعامل مع ملفات الاستخبارات والعلاقات الدولية والملفات المالية، وإظهار قدرة على العمل بشفافية لحمل الشارع والداعمين الخارجيين على تبديد الشكوك. الفترة القادمة بالتالي ستكون اختبارًا لقدرة النظام السياسي الأوكراني على التجدد في مرحلة حرجة من الصراع.
منعطف تاريخي واختبارُ شرعية
الاستقالة المفاجئة لأندريه يرماك تشكّل نقطة انعطاف يمكن أن تعيد رسم ملامح المشهد السياسي في أوكرانيا. إذ لا يقتصر الأمر على تغيير أسماء داخل القصر الرئاسي بل على اختبارٍ لقدرة الدولة على معالجة أزمتها الداخلية أثناء إدارة حربٍ ما تزال تطلّ بتبعاتها على كل مستوى. التحديات الراهنة تشتمل على ضمان استمرار الدعم الدولي، والحفاظ على تماسك الأجهزة الأمنية، وإدارة المفاوضات التي قد تتعرض لهزات بفعل أي فراغ قيادي. تواجه كييف أيضًا ضرورة تقديم رواية واضحة أمام الجمهور الدولي تزول عبرها أي شكوك حول نزاهة مؤسساتها وفاعلية محاسبتها للمخالفين. وفي هذه الأثناء، ستحاول قوى داخلية وخارجية استغلال اللحظة بما يخدم مواقفها، ما يجعل من المقبل من الأيام مرحلة حسّاسة لتحديد ما إذا كانت الاستقالة ستؤول إلى إصلاح مؤسسي يعزّز شرعية الدولة، أم إلى تفكك مؤقت يعيق جهودها العسكرية والدبلوماسية.



