الأمم المتحدة تتهم إسرائيل بتطبيق «تعذيب منظم» وتوثّق انتهاكات واسعة ضد المعتقلين الفلسطينيين
أعاد تقرير أممي جديد تسليط الضوء على طريقة تعامل إسرائيل مع المعتقلين الفلسطينيين، بعد أن خلص إلى أن السياسات المتبعة خلال العامين الماضيين تشكّل «تعذيبًا منظمًا وواسع النطاق» وفقًا للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. ويكشف التقرير حجم التدهور في ظروف الاحتجاز منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، حيث ارتفعت الوفيات بشكل ملحوظ وتزايدت الانتهاكات البدنية والنفسية، من الضرب والصعق الكهربائي إلى الإهانات اللفظية والحرمان من الرعاية الصحية. وتشير اللجنة إلى أن كثيرًا من هذه الممارسات قد يُعدّ مخالفًا للقانون الدولي، خصوصًا في ظل غياب شبه كامل للمحاسبة الداخلية. وتؤكد الشهادات التي جمعتها المنظمات الحقوقية أن الانتهاكات لم تعد حالات فردية، بل أنماطًا متكررة تعكس سياسة متسعة النطاق. ويزيد التقرير من الضغط الدولي على إسرائيل، محذرًا من أن استمرار تدهور الوضع قد يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد حدة التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تعذيب ممنهج وقلق دولي متصاعد
يكشف التقرير الأممي أن التعذيب داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية ليس سلوكًا فرديًا، بل ممارسة واسعة تشمل الضرب الشديد والمتكرر وهجمات الكلاب والصعق بالكهرباء ومحاكاة الغرق، إلى جانب العنف الجنسي وأوضاع الإجهاد المطوّلة التي تترك آثارًا جسدية ونفسية طويلة الأمد. كما يوثق التقرير أشكالًا من الإهانة المتعمدة، مثل إجبار المعتقلين على أوضاع مهينة أو معاملتهم بطريقة تحط من كرامتهم الإنسانية، إضافة إلى حرمانهم من الرعاية الطبية في حالات تستوجب تدخلًا عاجلًا. وتؤكد اللجنة أن هذه الانتهاكات، في مجموعها، يمكن أن تشكّل فعلًا من أفعال التعذيب طبقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1984، التي تُعد إسرائيل طرفًا فيها. وتبرز خطورة الوضع في ظل غياب أي آليات فاعلة للمحاسبة، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية السلطات الإسرائيلية عن حماية المعتقلين وضمان احترام حقوق الإنسان.
الاعتقال الإداري واستهداف الأطفال
يحذر التقرير من الاستخدام المتزايد لقانون «المقاتلين غير الشرعيين» الذي يسمح بالاحتجاز المطوّل من دون محاكمة، حيث تشير آخر بيانات منظمة “بتسيلم” إلى وجود أكثر من 3,400 معتقل فلسطيني في «الاعتقال الإداري» حتى نهاية سبتمبر. ويكشف التقرير ارتفاعًا لافتًا في عدد الأطفال المحتجزين من دون تهم، رغم أن سن المسؤولية الجنائية في إسرائيل هو 12 عامًا فقط، بل ويشير إلى احتجاز أطفال أصغر من ذلك. ويتعرض هؤلاء القاصرون لقيود قاسية، تشمل العزل الانفرادي والحرمان من مقابلة ذويهم أو متابعة تعليمهم، ما يتعارض بشكل واضح مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية الأطفال. وتدعو اللجنة إسرائيل إلى مراجعة تشريعاتها فورًا، مؤكدة أن استمرار هذه السياسات يهدد أجيالًا كاملة، ويؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال وأسرهم، ويزيد من الاحتقان داخل المجتمع الفلسطيني.
وفيات متصاعدة وتدهور حاد في ظروف الاحتجاز
يبرز التقرير وفاة 75 معتقلًا فلسطينيًا منذ بداية الحرب على غزة، معتبرًا هذا العدد مرتفعًا للغاية وذا دلالة خطيرة، خصوصًا أن جميع الضحايا من الفلسطينيين دون استثناء. وتشير الأدلة التي وثقتها المنظمات الحقوقية إلى تدهور حاد في ظروف الاحتجاز، بما يشمل الاكتظاظ، ونقص الغذاء والمياه، وانعدام الرعاية الطبية، إلى جانب الاستخدام الواسع للقمع والقيود الحديدية. ورغم خطورة هذه الوفيات، لم تُحاسب أي جهة رسمية حتى الآن، ما يعزز مخاوف استمرار الإفلات من العقاب. ويلفت التقرير إلى أن هذا الوضع يتطلب تحقيقات مستقلة وعاجلة، كون الوفيات لا يمكن تفسيرها دون وجود خلل كبير في معايير السلامة والرعاية داخل السجون. ويؤكد الخبراء أن غياب المساءلة يخلق بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات، ويقوض أي جهود دولية ترمي لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.
فيديو جنين وتناقض الروايات الرسمية
أعاد شريط فيديو من جنين النقاش حول سلوك قوات الأمن الإسرائيلية، حيث يوثق لحظة قتل فلسطينيين اثنين رغم إظهارهما الاستسلام التام. ويظهر الرجلان، يوسف عصاصة ومحمود عبد الله، في التسجيل وهما يزحفان خارج مبنى رافعين أيديهم وكاشفين عن بطونهما للتأكيد على أنهما غير مسلحين. ورغم ذلك، تعرضا للركل قبل أن يأمرهما أحد الضباط بإشارة بالعودة إلى المبنى، ليتم إطلاق النار عليهما بعدها بثوانٍ من مسافة لا تتجاوز مترين. ورغم أن الشرطة زعمت وجود «خطر فوري»، إلا أن الفيديو — الذي لم تُشكك السلطات في صحته — لم يُظهر أي مقاومة أو محاولة هرب. ويعزز هذا الحادث ما ورد في التقرير الأممي حول اتساع فجوة الثقة بين الروايات الرسمية والحقائق الميدانية، ويسلط الضوء على قصور آليات المحاسبة داخل الأجهزة الأمنية.
تداعيات متصاعدة وغياب المحاسبة
تعكس النتائج التي توصل إليها التقرير الأممي حالة معقدة تتداخل فيها السياسات الأمنية الإسرائيلية مع غياب واضح لأنظمة المساءلة، ما يجعل الانتهاكات واقعًا متكررًا لا يجد من يردعه. ويشير محللون حقوقيون إلى أن استمرار هذه الممارسات قد يفاقم التوتر في الأراضي الفلسطينية، ويعزز شعورًا متزايدًا بانعدام العدالة، خصوصًا لدى العائلات التي فقدت أبناءها داخل السجون. كما يؤكد الخبراء أن تجاهل مطالب المنظمات الدولية بفتح تحقيقات مستقلة يهدد بترسيخ ممارسات قد ترقى إلى مستوى الجرائم الدولية. ويرى التقرير أن الحل لا يكمن فقط في تحسين ظروف الاحتجاز، بل في بناء منظومة قانونية داخل إسرائيل تضمن المحاسبة الفعلية لكل من يثبت تورطه في التعذيب، بما يمهد لمناخ أكثر استقرارًا ويقلل احتمالات توسع دائرة العنف في المستقبل.



