واشنطن تصعّد ضد كاراكاس: احتجاز ناقلة نفط قبالة فنزويلا يُشعل التوتر الإقليمي

في تطوّر لافت يعيد ملف فنزويلا إلى صدارة المشهد الدولي، احتجزت القوات الأميركية ناقلة نفط ضخمة قبالة السواحل الفنزويلية، في خطوة تعكس نهجًا أكثر جرأة من إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه نظام نيكولاس مادورو. تأتي العملية في إطار حملة ضغط متصاعدة بدأت قبل أربعة أشهر، تتضمن عقوبات مشددة، وحملات عسكرية محدودة تستهدف قوارب يُشتبه في ضلوعها بعمليات تهريب مخدرات، إلى جانب حشد بحري هو الأكبر في الكاريبي منذ أزمة الصواريخ عام 1962. هذا الحدث لا يمثل مجرد عملية اعتراض بحرية، بل يشكّل اختبارًا جديدًا لمعادلة القوة في نصف الكرة الغربي، ويكشف حدود قدرة مادورو على تحمّل ضغوط اقتصادية وعسكرية متراكمة. ومع منح المعارضة زخماً دولياً بعد حصول ماريا كورينا ماتشادو على جائزة نوبل للسلام، يتزايد الحديث عن إمكانية دفع النظام نحو مفاوضات أو حتى استفتاء قد يعيد تشكيل مستقبل الحكم في كاراكاس خلال السنوات المقبلة.
احتجاز ناقلة النفط: رسالة أميركية تتجاوز البعد العسكري
أعلنت واشنطن احتجاز ناقلة نفط قبالة السواحل الفنزويلية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها الأكثر جرأة منذ بدء الضغوط الأميركية المكثفة على نظام نيكولاس مادورو. فقد أكد الرئيس دونالد ترامب شخصيًا العملية، مشيرًا إلى أن القوات الأميركية نفّذت اعتراضًا ناجحًا لناقلة تُعدّ الأكبر التي يتم توقيفها حتى الآن في هذا السياق. وبينما امتنعت الجهات الرسمية عن كشف تفاصيل إضافية تتعلق بالناقلة أو موقع العملية، أوضح مسؤولون أن الاعتراض تمّ في إطار “إجراء قضائي” ضد سفينة “من دون دولة” كانت قد شوهدت آخر مرة في فنزويلا. وتعيد هذه الخطوة التأكيد على أن ملف النفط ما يزال محورًا أساسيًا في أدوات الضغط الأميركية، خاصة وأن فنزويلا تعتمد على صادرات نفطية تُعد مصدر دخلها الأول. وفي ظل التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلاد، يكتسب أي تدخّل في حركة النفط قيمة استراتيجية مضاعفة، سواء من حيث تقويض قدرة النظام على الصمود أو من حيث توجيه رسالة واضحة بأن واشنطن لن تتردد في استخدام أدوات أكثر صرامة في المرحلة المقبلة.
مادورو بين العقوبات وضغوط الداخل: توازن هشّ يقترب من الانهيار
تأتي هذه العملية في وقت يتعرض فيه مادورو لضغوط سياسية واقتصادية متزايدة، إذ يتهمه خصومه بسرقة انتخابات 2024 وإجبار المرشح الفائز إدموندو غونزاليس على اللجوء إلى إسبانيا، بينما يواجه داخليًا تراجعًا غير مسبوق في شعبية النظام وتوسع دائرة الاحتجاجات. الولايات المتحدة، من جانبها، صعّدت خلال الأشهر الأخيرة من مستوى المواجهة، بدءًا بوضع مكافأة مالية تبلغ 50 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال مادورو، وصولًا إلى تنفيذ ضربات جوية قاسية على قوارب يشتبه في تورطها في تهريب مخدرات. وأسفرت هذه العمليات عن أكثر من 80 قتيلًا، ما يشير إلى أن واشنطن تتعامل مع الوضع باعتباره تهديدًا إقليميًا وليس مجرد خلاف سياسي. وفي ظل هذا المشهد، تبدو قدرة مادورو على الاستمرار في الإمساك بمفاصل السلطة مرهونة بتوازن هشّ بين دعم المؤسسة العسكرية من جهة، والسيطرة على موارد النفط من جهة أخرى، وهو توازن يزداد هشاشة مع كل خطوة تصعيدية أميركية جديدة.
نوبل للسلام والضغط الدولي: المعارضة تكتسب شرعية متجددة
شكّل منح جائزة نوبل للسلام لزعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو محطة بارزة في إعادة طرح القضية الفنزويلية على الساحة الدولية. فقد رأى مراقبون في هذا التطور تتويجًا لسنوات من العمل السياسي المناهض للحكومة، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي ما يزال يعتبر أزمة فنزويلا واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والسياسية تعقيدًا في المنطقة. وقد أكدت ابنة ماتشادو، آنا كورينا سوسا ماتشادو، خلال تسلّمها الجائزة في أوسلو، أن “النضال من أجل إنهاء الفساد الفاضح والدكتاتورية الوحشية” سيستمر مهما كانت الضغوط. يتزامن ذلك مع تحركات متزايدة للمعارضة التي تحاول الاستفادة من اللحظة الدولية، مستندة إلى دعم أميركي وأوروبي متنامٍ. ويأتي هذا في وقت يحتاج فيه النظام الفنزويلي إلى اعتراف دولي أوسع لبيع نفطه واستعادة شيئ من الاستقرار الاقتصادي، وهو ما يمنح المعارضة موقع تفاوض أقوى ويزيد من هشاشة النظام.
خيار الحصار النفطي: سيناريو غير مستبعد في حسابات واشنطن
تزايد الحديث خلال الأسابيع الأخيرة داخل الأوساط الأميركية عن احتمال فرض واشنطن حصارًا نفطيًا شاملًا على فنزويلا، وهو خيار كان مطروحًا خلال عهد إدارة بايدن دون أن يُنفذ. ويؤكد خوان غونزاليس، المستشار السابق في البيت الأبيض، أن فرض حصار نفطي قادر على “شلّ الاقتصاد الفنزويلي بالكامل”، رغم أنه يُصنّف دوليًا كعمل حربي. ووفقًا لغونزاليس، فإن إدارة ترامب قد تلجأ إلى هذا الخيار لدفع مادورو إلى قبول إجراء استفتاء على بقائه في السلطة خلال السنوات المقبلة، مع التهديد بعقوبات وعمليات أكثر صرامة إذا لم يتم احترام نتائج أي تصويت. ويشير الخبراء إلى أن فنزويلا، رغم امتلاكها أكبر احتياطات نفطية في العالم، تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط، ما يجعل أي حصار محتمل تهديدًا وجوديًا للنظام. وفي هذا السياق، يكتسب احتجاز ناقلة النفط الأخيرة معنى يتجاوز عملية أمنية، ليصبح خطوة في مسار تصعيدي مرسوم بدقة يربط بين النفط والسياسة ومستقبل الحكم في كاراكاس.



