واشنطن تعيد رسم خريطة الكاريبي: جزر صغيرة تدعم أكبر تحرك عسكري ضد فنزويلا منذ عقود

تشهد منطقة البحر الكاريبي خلال الأشهر الأخيرة نشاطًا عسكريًا أمريكيًا متسارعًا يشير إلى تحول استراتيجي مهم في طريقة تعامل واشنطن مع التهديدات الآتية من الساحل الفنزويلي. فالحملة التي أطلقتها الولايات المتحدة تحت اسم “عملية رمح الجنوب” لم تعد تبدو مجرد تحرك لمكافحة شبكات التهريب كما تعلن رسميًا، بل باتت جزءًا من شبكة نفوذ عسكرية وجغرافية معقدة تمتد من الدومينيكان حتى ترينيداد وتوباغو. وقد ساهمت عدة جزر صغيرة بخدمات لوجستية محورية، من توفير مدارج للطائرات ونقاط تموين إلى منح مواقع متقدمة للقوات الخاصة وسفن الأسطول الأمريكي. هذا التوسع يُعيد رسم الخريطة الأمنية في واحدة من أكثر الممرات البحرية حساسية، بينما تعترض حكومات لاتينية على ما تعتبره تصعيدًا يفتح الباب أمام صدام إقليمي قد يشمل فنزويلا. ورغم النفي الأمريكي، يرى مراقبون أن معالم العملية تتجاوز شعار “الحرب على المخدرات” وقد تقترب من سيناريوهات تؤدي إلى تغيير موازين القوى في المنطقة.
تصعيد عسكري أمريكي هو الأوسع منذ سنوات
منذ أغسطس الماضي، توسّع الوجود العسكري الأمريكي في البحر الكاريبي بشكل لافت، بدءًا من نشر ثلاث مدمرات لاعتراض الزوارق المشتبه في نقلها مخدرات من فنزويلا، ثم وصولًا إلى تعزيزات أكبر شملت 12 سفينة حربية وغواصة نووية وعددًا ضخمًا من الطائرات المروحية وطائرات الاستطلاع والطائرات بدون طيار. وتشير بيانات وزارة الدفاع إلى انتشار ما يفوق 15 ألف جندي في المنطقة إلى جانب حاملتي الطائرات «جيرالد فورد» و«Iwo Jima». وبينما تبرر واشنطن هذه التحركات بالحاجة إلى وقف التهريب، يرى باحثون وخبراء أن حجم القوة ونوعية المعدات تشير إلى تهيئة بيئة عملياتية كاملة قد تُستخدم مستقبلًا لشل دفاعات فنزويلا أو لتغيير موازين السلطة فيها. ويعتقد محللون أن عملية بهذا الحجم تتجاوز هدف “الاعتراض البحري” إلى إعداد شبكة تدخل سريعة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة أو عمليات خاصة، وهو ما لم تشهده المنطقة منذ عقود.


موقع الجزر الكاريبية في الهندسة الجغرافية للعملية
تعتمد واشنطن في هذه الحملة على مجموعة من الجزر التي توفر احتياجات أساسية لأي قوة بحرية وجوية بهذا الحجم. فالقواعد الأمريكية تحتاج إلى مدارج طويلة للطائرات، ومواقع مراقبة مزودة برادارات متقدمة لرصد حركة الزوارق والطائرات، إضافة إلى نقاط تموين وصيانة وتشغيل للقوات الخاصة، وممرات آمنة للطيران والدوريات البحرية. وتمنح الجزر الكاريبية ميزات جغرافية فريدة؛ فهي قريبة من السواحل الفنزويلية، وتقع على خطوط الملاحة الرئيسية، وتملك بنية تحتية قادرة على استقبال طائرات النقل الثقيلة والسفن الكبيرة. هذا الانتشار يمنح واشنطن قدرة على تخصيص كل جزيرة لدور معين، ما يخلق شبكة مترابطة تُستخدم لتوزيع المهام بين المراقبة والرصد والتموين والانتشار القتالي. ورغم تفاوت مستوى انخراط كل دولة، فإن وجود هذه العناصر الإسنادية يجعل الحملة الأمريكية أكثر ثباتًا ومرونة في الوقت ذاته، ويعطيها القدرة على التحرك بسرعة عند الضرورة.


جزر داعمة: خط تماس حقيقي حول فنزويلا
تؤدي مجموعة من الجزر أدوارًا مباشرة في دعم العمليات، أبرزها أروبا وكوراساو وبونير التي لا تبعد سوى 80 كيلومترًا عن الساحل الفنزويلي. وتستضيف كوراساو قاعدة أمريكية متقدمة تراقب حركة الزوارق والطائرات، بينما تضم أروبا منشأة رصد جوية أصغر. وبرغم التعاون القائم، تكشف مصادر محلية عن قلق داخل هذه الجزر من أن يُنظر إليها في كاراكاس كمنصات هجومية أمريكية محتملة. أما ترينيداد وتوباغو، التي تبعد 11 كيلومترًا فقط عن فنزويلا، فتُعد الأكثر حساسية في هذا المشهد، إذ سمحت بوجود قوات مشاة بحرية أمريكية في مطار توباغو، ووافقت على تحديث الرادارات واستقبال سفن حربية، لكنها فرضت خطًا أحمر واضحًا يمنع شن أي عمليات هجومية من أراضيها ما لم تتعرض لهجوم مباشر. وتبرز أيضًا جمهورية الدومينيكان التي مدت واشنطن بدعم علني يشمل إعادة تموين الطائرات والسفن وتوفير ممرات لوجستية واسعة. فيما تلعب غرينادا وبورتوريكو وجزر فيرجن دورًا لوجستيًا حاسمًا من خلال تشغيل رادارات جديدة وانتشار قوات إضافية في مواقع ثابتة.


سيناريوهات بدء أي عملية عسكرية ضد فنزويلا
رغم أن واشنطن لم تعلن نيتها التصعيد المباشر ضد فنزويلا، فإن حجم انتشارها العسكري يسمح برسم سيناريوهات محتملة لأي تحرك واسع. ويرجح خبراء أن تبدأ العملية – إن حدثت – بضربات صاروخية دقيقة باستخدام صواريخ «توماهوك» تُطلق من مدمرات أو غواصات متمركزة في البحر الكاريبي بهدف تحييد منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية مثل «S-300». يلي ذلك تنفيذ عمليات خاصة محدودة بواسطة وحدات نخبوية تستهدف مواقع قيادة أو مراكز اتصالات. وقد تُستخدم حاملات الطائرات في مراحل لاحقة، لكن بعد ضمان تحييد الدفاعات الساحلية. بالمقابل، تستبعد التحليلات حاليًا حدوث إنزال بري واسع أو غزو مباشر، لأن القوة المنتشرة في المنطقة غير كافية لمهمة تحتاج إلى ما لا يقل عن خمسين ألف جندي. ومع ذلك، يظل الاحتمال قائمًا في حال تعرض المصالح الأمريكية لتهديدات مباشرة أو إذا تطور الصراع السياسي داخل فنزويلا.

تحركات تتجاوز مكافحة التهريب وتعيد تشكيل ميزان القوى
يؤكد محللون أن ما يجري في الكاريبي يتجاوز بكثير فكرة الحرب على المخدرات، إذ غيّرت واشنطن إطارها القانوني وقدّمت العمليات ضمن مفهوم «الدفاع الوطني»، ما يسمح لها بتنفيذ ضربات احترازية، وتوسيع نطاق النشاط العسكري دون الحاجة لإعلان حرب رسمية. كما تُظهر التحركات الأمريكية سعيًا لتطويق فنزويلا وإرسال رسائل ردع قوية لحلفائها الإقليميين، بالتزامن مع استخدام جزر صغيرة كمنصات دعم، ما يضعها في قلب تحولات جيوسياسية قد تغيّر علاقاتها مع كاراكاس ودول الجوار. ويعتقد الخبراء أن المنطقة باتت على حافة أكبر مواجهة محتملة في نصف الكرة الغربي منذ الثمانينيات، مع امتداد شبكة القوة الأمريكية حول فنزويلا، وتزايد المؤشرات على رغبة واشنطن في إعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الكاريبي بما يتجاوز مكافحة التهريب ليصل إلى خريطة نفوذ جديدة.



