إعادة رسم الخرائط الانتخابية تدفع غافن نيوسوم نحو البيت الأبيض

يشهد المشهد السياسي الأميركي تحولات لافتة بعد نجاح حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم في تمرير المقترح 50، الذي أعاد رسم الدوائر الانتخابية لصالح الحزب الديمقراطي. الخطوة التي وصفها المراقبون بأنها “انقلاب انتخابي ناعم” رفعت أسهم نيوسوم داخل الحزب، ورسّخت صورته كمهندس استراتيجي يمتلك الجرأة لتحدي الجمهوريين على أرضهم. فبينما يسعى دونالد ترامب وحلفاؤه لترجيح كفة الحزب الجمهوري عبر التقسيم الانتخابي، ردّ نيوسوم بخطة معاكسة قد تمنح الديمقراطيين خمسة مقاعد إضافية في الكونغرس، إلى جانب أكثر من 100 ألف متبرع جديد ضمن حملته السياسية، في مؤشر واضح على تمدد نفوذه الوطني وطموحه الرئاسي المقبل.
من تلميذ براون إلى وجه الحزب الصاعد
تعود بدايات نيوسوم إلى عام 1996 حين اختاره العمدة الأسطوري ويلي براون لعضوية لجنة المرور في سان فرانسيسكو. ومنذ تلك اللحظة، أظهر التلميذ السياسي ذكاءً وانضباطًا مكنّاه من الصعود المتدرج في هرم السلطة المحلية حتى أصبح عمدة المدينة، ثم نائب حاكم الولاية، وأخيرًا حاكم كاليفورنيا. براون، الذي تجاوز التسعين عامًا، يراه اليوم الوريث الطبيعي لقيادة الحزب الديمقراطي، معتبرًا إياه “المرشح الفريد والمستقل” القادر على كسر النمط التقليدي للسياسة الأميركية، بما يجمع بين الكاريزما الشخصية والخبرة التنفيذية والرؤية الإعلامية العصرية.
خطوات جريئة وصدامية
عرف غافن نيوسوم بقدرته على استباق التيارات السياسية وقيادة المعارك الجدلية بثقة نادرة. ففي عام 2004 سمح بزواج المثليين قبل أن تصدر المحكمة العليا قرارها بأحد عشر عامًا، وفي 2016 دعم تشريع الماريجوانا للاستخدام الترفيهي، كما تبنى مؤخرًا مواقف أكثر واقعية بانتقاده انتشار مخيمات المشردين واعتراضه على مشاركة الرجال المتحولين في مسابقات النساء. هذه المواقف التي تجمع بين التقدمية الكلاسيكية والبراغماتية الحديثة جعلت منه جسرًا بين جناحي الحزب الديمقراطي، وقدّمت نموذجًا جديدًا للسياسي القادر على التكيّف دون التنازل عن المبادئ الجوهرية.
حاكم الإعلام والاتصال المباشر
يُتقن نيوسوم توظيف أدوات الإعلام الجديد في صناعة صورته العامة، إذ يدير تواصله مع الناخبين عبر المنصات الرقمية بأسلوب تفاعلي مباشر. أطلق هذا العام بودكاست بعنوان “This is Gavin Newsom”، وأجرى من خلاله حوارات مع شخصيات من اليمين واليسار على السواء، ما عزز صورته كسياسي منفتح وجريء. كما ظهر في بث مباشر عبر منصة “Twitch” مع أحد المؤثرين، حيث قال عبارته اللافتة: “نحن نضرب بقوة، ولن نكون الحزب الضعيف بعد الآن.” هذا الحضور الإعلامي المكثف جعل منه نقيضًا ديمقراطيًا لترامب في استخدام الإعلام كسلاح تعبوي فعّال.
مواجهة محتملة مع كامالا هاريس
في أفق الانتخابات الأميركية لعام 2028، يلوح احتمال منافسة داخلية بين غافن نيوسوم وكامالا هاريس، نائبة الرئيس الحالية ورفيقة دربه السابقة في السياسة المحلية بسان فرانسيسكو. ورغم الاحترام المتبادل بينهما، فإن المراقبين يرون أن نيوسوم يتمتع بانضباط شخصي وكاريزما خطابية قد تمنحه التفوق في أي سباق محتمل داخل الحزب الديمقراطي. حتى وليّ نعمته السياسي ويلي براون يؤكد أن نيوسوم “الأكثر جاهزية لخوض معركة البيت الأبيض”، في ظل قدرته على الجمع بين الواقعية السياسية والجرأة التواصلية.
ظاهرة سياسية جديدة في المشهد الأميركي
لم يعد غافن نيوسوم مجرد حاكم ولاية طموح، بل بات يمثل تحولًا أعمق في هوية الحزب الديمقراطي الأميركي. فأسلوبه البراغماتي الذي يجمع بين الجرأة الإعلامية والحنكة السياسية يعكس توجهًا جديدًا داخل الحزب يسعى إلى استعادة الخطاب الشعبي من الجمهوريين دون التفريط بالقيم الليبرالية. وقد نجح نيوسوم في تحويل التقسيم الانتخابي من نقطة ضعف إلى أداة استراتيجية، في مواجهة سياسات ترامب وحلفائه الذين استخدموا الأسلوب ذاته لترسيخ هيمنتهم في الكونغرس. هذا التوازن بين الواقعية والجرأة يجعله مرشحًا نموذجيًا لمرحلة ما بعد بايدن، حيث تبحث واشنطن عن قائد قادر على مخاطبة أميركا المنقسمة بلسان جديد يجمع بين الحزم والشفافية، وبين السياسة التقليدية وروح الإعلام الحديث.



