برلين تراجع سياستها مع بكين خوفًا من التبعية وحمايةً للصناعة الألمانية

تدرس الحكومة الألمانية مراجعة سياساتها الاقتصادية مع الصين وسط تنامي المخاوف من اعتماد مفرط على ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وذكرت وسائل إعلام ألمانية، بينها موقع تاجِز شاو، أن الائتلاف الحاكم المكوَّن من الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، يعتزم إنشاء لجنة برلمانية متخصصة لدراسة العلاقات التجارية والاستثمارية مع بكين. ومن المقرر أن يناقش البرلمان الألماني “البوندستاج”هذا المقترح يوم الجمعة المقبل، على أن تضم اللجنة خبراء من الأوساط الأكاديمية والصناعية لإجراء تقييم شامل لما تصفه الحكومة بـ”العلاقات الاقتصادية المرتبطة بالأمن القومي”. ويأتي هذا التحرك في ظل قلق متصاعد داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الألمانية من تحول الارتباط المتزايد بالصين إلى تبعية هيكلية تهدد استقلالية القرار الاقتصادي الألماني.
أمن اقتصادي وسلاسل توريد حساسة
يهدف المقترح إلى مراجعة طبيعة الاعتماد الألماني على الصين في قطاعات الطاقة والمواد الخام وسلاسل القيمة الحيوية التي تُعدّ شريان الصناعة الألمانية. وتشير وثائق البوندستاج إلى أن اللجنة الجديدة ستتولى إجراء مراجعة قانونية واقتصادية لتحديد مدى الحاجة إلى تعديل قوانين التجارة الخارجية لحماية الأمن الاقتصادي الوطني. وتشمل مهام اللجنة دراسة نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد الألماني أمام المنافسة الصينية، إضافة إلى تقييم مدى موثوقية سلاسل التوريد في ظل البيئة الجيوسياسية العالمية المتوترة. وتستند المبادرة إلى قناعة متنامية داخل برلين بأن استمرار الاعتماد على الصين قد يعرّض الصناعات الحيوية، مثل الصلب والسيارات والطاقة، لهزات خطيرة إذا تصاعد التوتر بين بكين والغرب أو فُرضت قيود متبادلة على التجارة والاستثمار.
مخاوف متزايدة على الصناعة الوطنية
تسعى الحكومة الألمانية من خلال هذه الخطوة إلى حماية الصناعات الوطنية، خصوصًا قطاع الصلب الذي يعاني من تدفق الواردات الصينية منخفضة التكلفة. وقد دعت الحكومة إلى اتخاذ تدابير وقائية تضمن منافسة عادلة في السوق الأوروبية وتحافظ على وظائف العمال الألمان. وتواجه شركات السيارات الألمانية أيضًا تحديات متزايدة من نظيراتها الصينية في مجال السيارات الكهربائية، ما يثير قلقًا واسعًا بشأن مستقبل واحدة من أهم الصناعات المولدة للدخل في ألمانيا. ويخطط نائب المستشار ووزير المالية الألماني، لارس كلينجبيل، لزيارة بكين هذا الشهر لبحث القضايا التجارية، بعد إلغاء زيارة وزير الخارجية يوهان فادفول في أكتوبر الماضي، في مؤشر على توتر متزايد في العلاقات الثنائية رغم حرص الجانبين على استمرار الحوار الاقتصادي.
توازن دقيق بين التعاون والحذر
أكدت وزارة الخارجية الألمانية أن برلين ما زالت ترغب في مواصلة التعاون مع الصين، لكنها عبّرت عن قلقها من القيود التي فرضتها بكين مؤخرًا على تصدير الرقائق الإلكترونية والعناصر الأرضية النادرة، والتي تُعدّ ضرورية للصناعات التقنية. وتشير مصادر حكومية إلى أن السلطات الصينية لم تُبدِ استعدادًا لمناقشة هذه القضايا الحساسة، ما يعكس تباينًا واضحًا في أولويات الجانبين.
ويرى محللون أن إنشاء اللجنة البرلمانية الجديدة يمثل تحوّلًا في سياسة ألمانيا تجاه الصين، إذ تسعى برلين إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على المصالح الاقتصادية الضخمة التي تربطها ببكين، وبين حماية أمنها الاقتصادي من التبعية المتزايدة. وفي ظل التحولات الجيوسياسية العالمية، يبدو أن ألمانيا تتجه نحو صياغة سياسة أكثر حذرًا واستقلالية في تعاملها مع القوة الاقتصادية الآسيوية الصاعدة.



