استطلاع يكشف اتساع رفض العفو عن نتنياهو وسط تحولات سياسية لافتة

يكشف استطلاع رأي جديد نشرته صحيفة «معاريف» عن حالة غليان سياسي داخل إسرائيل، بعدما أظهر أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين تعارض منح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عفوًا من قضايا الفساد التي يواجهها منذ عام 2020، رغم طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا من نظيره الإسرائيلي إسحق هرتسوج إصدار العفو. وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الداخل الإسرائيلي حالة انعدام ثقة متصاعدة تجاه القيادة الحالية، خصوصًا في ضوء الاتهامات المتعلقة بالإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، والذي اعتُبر واحدًا من أسوأ الانتكاسات الأمنية في تاريخ الدولة العبرية. ويبدو أن هذه القضايا مجتمعة—الفساد، والأمن، والخلافات السياسية—تُعيد تشكيل موازين القوى بين الائتلاف والمعارضة، في ظل مؤشرات قوية على تقدم المعارضة بقيادة شخصيات بارزة مثل نفتالي بينيت. كما يعكس الاستطلاع اتساع الهوة بين الشارع الإسرائيلي والحكومة، ما ينذر بمشهد سياسي أكثر اضطرابًا خلال الشهور المقبلة.
رفض شعبي واسع للعفو عن نتنياهو
أظهر الاستطلاع أن 44% من الإسرائيليين يعارضون منح نتنياهو عفوًا من تهم الفساد، وهي نسبة تكشف حجم التراجع في الثقة الشعبية تجاهه، خصوصًا أنه يواجه ثلاث قضايا تتعلق بالرشوة وإساءة الأمانة والاحتيال منذ أربع سنوات دون حسم نهائي. وعلى الرغم من تأييد 39% للعفو، فإن شريحة الممتنعين عن الإجابة—بنسبة 17%—تعكس بدورها حالة من الريبة العامة تجاه كيفية التعامل مع الملف. وتزايد الجدل بعد إعلان الرئيس هرتسوج أنه تلقى رسالة رسمية من الرئيس ترامب تطالب بمنح نتنياهو العفو الكامل، الأمر الذي أثار أسئلة عديدة حول مدى تأثير التدخلات الخارجية على النظام القضائي الإسرائيلي. كما أعاد النقاش المتجدد حول قضايا نتنياهو إشعال الجدل المرتبط باستقلالية القضاء، الذي كان محور مظاهرات ضخمة قبل الحرب، قبل أن تتراجع حدتها بفعل الانشغال الأمني والسياسي.
مطالبات بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة
أفاد الاستطلاع بأن 67% من المستطلعين يؤيدون إنشاء لجنة حكومية مستقلة للتحقيق في هجوم السابع من أكتوبر، على أن يعيّن رئيس المحكمة العليا أعضاءها، مقابل رفض 23%. ويكشف هذا التأييد المرتفع عن مزاج عام يشعر بأن الإخفاقات التي سبقت الهجوم لم تُحاسَب بالشكل الكافي، سواء على المستوى العسكري أو الاستخباراتي أو السياسي. ورغم شدة الضغط الشعبي، ترفض حكومة نتنياهو تشكيل لجنة رسمية، بحجة أن فتح تحقيق واسع النطاق قد يؤثر على سير العمليات العسكرية وينعكس سلبًا على الجبهة الداخلية. إلا أن مسؤولين أمنيين وسياسيين سابقين يرون أن تأجيل التحقيق يفاقم أزمة الثقة بين مؤسسات الدولة والجمهور. كما أن نتائج الاستطلاع تؤكد أن جزءًا كبيرًا من الإسرائيليين يعتبر أن فهم ما حدث في ذلك اليوم الدامي ضروري لإعادة بناء المنظومة الأمنية، بغضّ النظر عن التبعات السياسية على الحكومة الحالية.
جدل حول قوات الاستقرار الدولية في غزة
تشير نتائج الاستطلاع إلى أن 51% من الإسرائيليين يعتقدون أن وجود قوات أجنبية في غزة—وفق خطة ترامب لإعادة هيكلة الوضع الأمني—سيضر بقدرة الجيش الإسرائيلي على مواجهة التهديدات. بينما يرى 24% أن تلك القوات لن تؤثر، ويقول 25% إنهم غير متأكدين من انعكاساتها. ويكشف هذا التباين عن خلاف عميق داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن مستقبل القطاع بعد الحرب، خاصة أن سيناريو نشر قوة دولية يثير تساؤلات حول السيادة، وقدرة إسرائيل على التحكم الكامل في المشهد الأمني. كما يخشى بعض المحللين من أن يؤدي أي وجود أجنبي إلى تقييد حرية الجيش في تنفيذ عملياته، في حين يرى آخرون أن وجود جهة دولية قد يساعد في تقليل الاحتكاك المباشر ويمنح إسرائيل مساحة لإعادة ترتيب أولوياتها. وتؤكد نتائج الاستطلاع أن مسألة القوة الدولية ليست مجرد نقاش عابر، بل جزء من معادلة أكبر تتعلق بإدارة اليوم التالي للحرب.
المعارضة توسّع الفجوة على حساب الائتلاف
بحسب الاستطلاع، ستحصل المعارضة على 62 مقعدًا إذا أجريت الانتخابات اليوم، مقابل 48 مقعدًا للائتلاف، و10 للنواب العرب، مما يعكس تحولًا مهمًا في المزاج العام. كما تُظهر الأرقام صعودًا جديدًا لقائمة نفتالي بينيت التي بلغت 24 مقعدًا، متعادلة مع الليكود، بينما يقترب حزب «أزرق-أبيض» بقيادة بيني جانتس من تجاوز عتبة الحسم بعد حصوله على 2.9% مقارنة بـ2.3% سابقًا. في المقابل، تتراجع «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش إلى 1.3%، وهو هبوط لافت يهدد بإنهاء وجود الحزب في الكنيست. ويشير المحللون إلى أن هذه التحولات ناتجة عن تراكمات سياسية وأمنية واقتصادية، أبرزها تراجع الثقة في قدرة نتنياهو على إدارة الدولة في ظل الأزمات المتعددة. ورغم رفض نتنياهو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، تكشف هذه المؤشرات عن تآكل مستمر في رصيد الائتلاف.
ديناميات سياسية تتجه نحو مزيد من التغيير
تعكس نتائج الاستطلاع إدراكًا متناميًا داخل المجتمع الإسرائيلي بأن الأزمة السياسية الحالية أعمق من مجرد خلافات بين أحزاب، وأنها تتعلق ببنية الحكم نفسها في ظل تهم الفساد، وتعثر المسار الأمني، وتراجع الثقة بالمؤسسات. كما أن تقدم المعارضة يشير إلى تغير واضح في المزاج العام الذي كان منقسمًا بشدة خلال السنوات الماضية، لكنه يميل الآن نحو البحث عن قيادة جديدة قادرة على تجاوز إرث الحرب. وفي ظل تمسّك نتنياهو برفض إجراء انتخابات مبكرة، تبقى إسرائيل أمام مرحلة قد تتزايد فيها الضغوط الشعبية والمؤسساتية، ما يجعل التحولات السياسية المتسارعة مقدمة لمشهد مختلف قد يتشكل خلال العامين المقبلين.



