الرصاصة الأخيرة: الجندي الذي دفع حياته ثمنًا للجبن في أعنف معركة للحرب العالمية الثانية
قصة إيدي سلوفيك تبرز كمثال صارخ على كيفية أن سلسلة من القرارات، إلى جانب الظروف والحرب، يمكن أن تحدد مصير الشخص. وُلد سلوفيك في ديترويت عام 1920 لأبوين بولنديين أمريكيين، وكان طفولته مليئة بالجريمة الصغيرة والاعتقالات المتكررة وسجلات جنائية. هذه الخلفية جعلته في البداية غير مؤهل للخدمة العسكرية، وصنّف كـ4-F. ومع الحاجة الملحة للجنود خلال الحرب العالمية الثانية، خفّض الجيش معاييره وأُعيد تصنيف سلوفيك كـ1-A، وتم تجنيده في يناير 1944. بعد إكمال التدريب الأساسي، أُرسل إلى فرنسا وانضم إلى الكتيبة G، اللواء 109، الفرقة 28، وهناك بدأت سلسلة الأحداث التي ستجعله الجندي الأمريكي الوحيد الذي أُعدم بتهمة الهروب منذ الحرب الأهلية.

بدأت مأساة سلوفيك بخوفه البشري الطبيعي من القتال. أثناء تعرضه لقصف مدفعي بالقرب من إلبوف، انفصل عن مجموعته وقضى ستة أسابيع تحت إشراف الشرطة العسكرية الكندية يؤدي مهامًا بسيطة. وبعد عودته إلى خطوط الجيش الأمريكي، لم تُفرض عليه عقوبات فورية، إلا أن أفعاله اللاحقة حولته من جندي ضائع إلى متهم يواجه أقسى العقوبات. فقد اعترف علنًا بخوفه وطلب نقله إلى وحدة خلفية، وعندما أكد له قائده أن مغادرته تُعد هروبًا، غادر مكانه وسلم اعترافًا مكتوبًا. تضمنت مذكّرته أنه سيهرب مرة أخرى إذا أُجبر على العودة إلى القتال، مما وفر دليلًا دامغًا ميزه عن آلاف الهاربين الآخرين.

قدمت له القيادة العسكرية عدة فرص لتجنب العقوبة القاسية، لكنه رفض كل مرة. اقترح عليه القادة والمحامون العسكريون أن يمزق اعترافه، أو يعود إلى وحدته، أو يُنقل إلى وحدة جديدة حيث لا يعرف أحد عن هروبه. وفي كل مرة، رفض سلوفيك، مقتنعًا أنه سيقضي فقط فترة في السجن. ورفض الإدلاء بشهادته أثناء محاكمته، وامتنع عن تقديم أي دليل يخفف من العقوبة، مما ترك المحكمة بلا خيار سوى إدانته.

أُجريت محاكمة سلوفيك خلال معركة غابة هورتجن، وهي من أطول وأعنف المعارك التي خاضتها القوات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، مع ارتفاع معدلات الهروب بين الجنود. وتكونت هيئة المحاكمة من ضباط إداريين من فرق أخرى، واستعرضوا اعترافه المكتوب وشهادات الشهود. على الرغم من وجود أدلة تخفيفية، مثل خدمته السابقة مع الكنديين في أعمال خلفية، إلا أن رفضه تقديم دفاعه أو شرح نواياه أدى إلى تصويت بالإعدام بالإجماع. وقد رأى القضاة أن أي حكم مخفف قد يشجع المزيد من الهاربين في مرحلة حرجة من الحرب.

وصلت الموافقة على تنفيذ الحكم إلى مكتب اللواء نورمان كوتا، أحد أبرز القادة الذين شاركوا في إنزال النورماندي. ومع اندلاع معركة البلج، التي أسفرت عن آلاف الضحايا الأمريكيين، قرر كوتا وكبار القادة أن قضية سلوفيك تتطلب أقصى عقوبة لردع الآخرين. وحتى النداء الأخير لسلوفيك إلى الجنرال دوايت أيزنهاور، الذي ادعى فيه جهله بعواقب الهروب، لم ينجح في تغيير القرار، وزادت ظروف الحرب من قسوة الحكم.

في 31 يناير 1945، أُعدم إيدي سلوفيك بالرصاص بالقرب من سانت-ماري-أو-مين، فرنسا. وقد نُزع عنه شارات الجيش وقيّد على عمود، فيما واجه فرقة الإعدام المكونة من 12 رجلًا، 11 منهم يحملون ذخيرة حية ورصاصة واحدة فارغة. سقطت عليه 11 رصاصة، وكان على الأقل أربع منها قاتلة. نفذت عملية الإعدام بهدوء وبسرية تامة، وأبلغت زوجته لاحقًا أن زوجها توفي تحت “ظروف مشينة”، بينما كان الهدف من العقوبة تحذير الجنود الآخرين.

تظل قضية سلوفيك مثار جدل واسع. يُنظر إليه من قبل البعض كجبان استحق مصيره، ومن قبل آخرين كضحية لعقوبة غير عادلة على جندي غير مؤهل للقتال، بينما نال مئات الهاربين الآخرون عقوبات أقل بكثير. وظلّت قصته مجهولة حتى نشر الصحفي ويليام برادفورد هوي كتابه عام 1954، وتحوّل لاحقًا إلى فيلم تلفزيوني عام 1974 من بطولة مارتن شين. ويمثل القضايا الأخلاقية المرتبطة بالإعدام، والردع، والتكاليف البشرية للقوانين العسكرية، عبرة مستمرة حتى اليوم.

تُبرز قصة إيدي سلوفيك كيف يمكن للقرارات الفردية أن تتقاطع مع الظروف العسكرية والتاريخية، لتخلق سيناريو يُصبح فيه مصير رجل واحد تحذيرًا صارخًا للآخرين. وتظل التساؤلات حول العدالة والإنصاف والدروس المستفادة من تلك الحادثة ذات صلة بالغة حتى اليوم، خاصة عند النظر في التوازن بين المسؤولية الفردية ومتطلبات الدولة في أوقات الحرب.
إقرأ ايضَا: 300 ألف مُسيّرة.. كيف تستعد أمريكا لأكبر جيش طائرات بدون طيار في التاريخ؟
إقرأ ايضَا: ترامب يفتح الطريق أمام “نفيديا” لبيع شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين
إقرأ ايضَا:الجيش الأميركي يبدأ تحديث المدفعية: XM1208 الذخيرة المستقبلية عيار 155 ملم



