هيمنة العملات بين التاريخ والصدفة.. لماذا لا يستطيع الاقتصاد التنبؤ بالعملة العالمية القادمة؟

يثير مستقبل هيمنة الدولار الأمريكي تساؤلات متزايدة داخل الأوساط الاقتصادية، خاصة مع تزايد الحديث عن إمكانية تراجع دوره التاريخي كعملة عالمية مهيمنة. لكن مراجعة تاريخ النظام المالي العالمي تكشف حقيقة أكثر تعقيدًا، وهي أن صعود العملات الكبرى لم يكن نتيجة قواعد ثابتة أو مسارات يمكن التنبؤ بها بسهولة، بل جاء غالبًا نتيجة تفاعلات تاريخية وسياسية واقتصادية غير متوقعة.
ويرى محللون اقتصاديون أن الاعتقاد بوجود نموذج واضح يمكن من خلاله توقع العملة المهيمنة التالية قد يكون مبالغًا فيه، إذ أن كل نظام نقدي عالمي ظهر في ظروف مختلفة تمامًا عن سابقيه. وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن النظام القائم على الدولار يمثل تجربة فريدة في التاريخ المالي العالمي، ما يجعل توقع بديله مهمة شديدة التعقيد. ويطرح الكاتب الاقتصادي Brendan Greeley هذه الفكرة في تحليله لتاريخ العملات العالمية.
هيمنة العملات ظاهرة نادرة يصعب التنبؤ بها
يؤكد خبراء الاقتصاد أن عدد العملات التي نجحت في فرض هيمنة عالمية عبر التاريخ محدود للغاية، وهو ما يجعل البيانات التاريخية المتاحة غير كافية لبناء نماذج دقيقة للتنبؤ بمستقبل النظام النقدي العالمي. فعلى عكس الظواهر الاقتصادية الأخرى التي يمكن تحليلها عبر كميات ضخمة من البيانات، فإن أنظمة العملات المهيمنة ظهرت مرات قليلة فقط عبر القرون.
ويعني ذلك أن محاولة التنبؤ بانتهاء هيمنة الدولار أو تحديد العملة التي قد تحل محله تصطدم بندرة التجارب التاريخية المقارنة. فكل نظام نقدي عالمي نشأ في بيئة اقتصادية وسياسية مختلفة، ما يجعل استخلاص قواعد عامة مسألة معقدة للغاية.
شروط صعود العملات العالمية الكبرى
طرح الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل Robert Mundell مجموعة من العوامل التي يرى أنها تساعد على صعود العملات العالمية، من بينها وجود اقتصاد محلي ضخم، وسياسات نقدية مستقرة، ونظام سياسي قوي، إضافة إلى أسواق مالية مفتوحة تسمح بتدفق رؤوس الأموال بحرية.
غير أن هذه الشروط، رغم أهميتها، لا تضمن بالضرورة نجاح أي عملة في تحقيق الهيمنة العالمية. فقد أشار المؤرخ الاقتصادي Barry Eichengreen إلى أن العملات القوية ظهرت غالبًا في أنظمة سياسية جمهورية قادرة على حماية المستثمرين من تعسف الحكام، كما حدث في المدن التجارية الأوروبية خلال العصور الوسطى.
تجارب تاريخية مختلفة لأنظمة نقدية متباينة
شهد التاريخ المالي العالمي نماذج متعددة لهيمنة العملات، ولكل منها خصائص مختلفة تمامًا عن الأخرى. فقد برزت مدينة فلورنسا خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر كمركز مالي رئيسي عندما طورت نظامًا مصرفيًا تجاريًا متقدمًا، وأسهمت عملتها الذهبية في تسهيل التجارة الأوروبية.
كما لعبت مدينة البندقية دورًا مهمًا في تعزيز أنظمة الدفع التجارية، بينما ظهرت لاحقًا أنظمة مالية أكثر تطورًا مثل النظام الذي طوره Bank of Amsterdam، والذي اعتمد على نظام محاسبي موحد مدعوم بالكامل بالذهب والفضة، ما وفر مستوى مرتفعًا من الثقة والاستقرار.
التحول إلى أنظمة مالية أكثر مرونة
شهد القرن الثامن عشر ظهور نموذج مالي جديد مع صعود Bank of England، الذي قدم نظامًا مختلفًا يقوم على توسيع المعروض النقدي عبر شراء الديون الحكومية وتمويل التجارة. وقد وفر هذا النموذج مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المالية مقارنة بالنماذج السابقة التي كانت تعتمد بشكل صارم على الاحتياطيات المعدنية.
وتكرر هذا التطور لاحقًا في الولايات المتحدة عبر دور Federal Reserve، الذي أصبح ملاذًا عالميًا للسيولة خلال الأزمات المالية، حيث يوفر الدولار للعالم عند حدوث اضطرابات اقتصادية كبرى، وهو ما عزز مكانة العملة الأمريكية كركيزة للنظام المالي الدولي.
اختلاف جذري بين النظام الأمريكي والنماذج التاريخية
رغم التشابه بين بعض آليات عمل البنوك المركزية الكبرى، فإن النظام المالي الأمريكي يتميز بخصوصية لافتة. فبينما اعتمدت بريطانيا خلال فترة هيمنة الجنيه الإسترليني على إقراض العالم وتسجيل فائض في تدفقات رؤوس الأموال، فإن الولايات المتحدة تعتمد على نموذج مختلف يقوم على جذب الاستثمارات والاقتراض من الخارج.
ويعكس هذا الاختلاف أن هيمنة العملات لا ترتبط بنموذج اقتصادي واحد، بل قد تقوم على ترتيبات مالية متباينة تمامًا، وهو ما يزيد من صعوبة توقع شكل النظام النقدي العالمي المقبل.
لماذا يصعب التنبؤ بالعملة العالمية القادمة؟
تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن الاقتصادات الكبرى مثل الصين أو الاتحاد الأوروبي قد تواجه تحديات تحول دون قدرتها على استنساخ نموذج الدولار. فالصين على سبيل المثال تفرض قيودًا على حركة رؤوس الأموال، وهو ما قد يحد من انتشار عملتها عالميًا، بينما قد يتردد البنك المركزي الأوروبي في لعب دور المقرض الأخير للأسواق العالمية خارج نطاق أوروبا.
وفي المقابل، قد يستمر الدولار في الاحتفاظ بدوره العالمي حتى في حال تراجع الاستقرار الاقتصادي أو السياسي داخل الولايات المتحدة، بسبب قوة الشبكات المالية العالمية القائمة عليه، ما يعكس الطبيعة المعقدة لأنظمة العملات المهيمنة.
مستقبل غامض تحكمه التحولات التاريخية
يخلص خبراء الاقتصاد إلى أن تاريخ هيمنة العملات يوضح أن هذه الأنظمة لا تتكرر بالشكل نفسه، وأن كل مرحلة نقدية عالمية تشكلت وفق ظروف سياسية واقتصادية فريدة. وبالتالي فإن النظام النقدي العالمي القادم قد يختلف جذريًا عن أي نموذج سابق، سواء كان قائمًا على عملة واحدة أو نظام متعدد العملات.
ويؤكد هذا الواقع أن مستقبل الهيمنة النقدية العالمية سيظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، وأن التحولات الاقتصادية الكبرى قد تعيد تشكيل خريطة العملات العالمية بطرق يصعب توقعها مسبقًا.
اقراء أيضاً:
رهانات سلبية غير مسبوقة على الدولار.. هل تفقد العملة الأمريكية بريقها العالمي؟



